التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
و نحو ذلك، على ما ورد في التلمود[١].
*** ثمّ يكمل السياق الحديث عن شريعة القصاص بما يكشف عن حكمتها العميقة و أهدافها المبتغاة: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
إنّه ليس الانتقام و ليس إرواء الأحقاد، إنّما هو أجلّ من ذلك و أعلى، إنّه للحياة و في سبيل الحياة، بل هو في ذاته حياة، ثمّ إنّه للتعقّل و التدبّر في حكمة هذا التشريع و لاستحياء القلوب و استجاشتها لتقوى اللّه.
و الحياة الّتي في القصاص تنبثق من كفّ الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء. فالذي يوقن أنّه يدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل، جدير به أن يتروّى و يفكّر و يتردّد كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل، شفائها من الحقد و الرغبة في الثأر. الثأر الّذي لم يكن يقف عند حدّ في القبائل، حتّى لتدوم معاركه المتناوبة طيلة أحقاب.
ثمّ- و هو الأهمّ و العامل المؤثّر الأوّل في حفظ الحياة- استجاشة شعور التدبّر لحكمة اللّه، و لتقواه: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. هذا هو الرابط الّذي يعقل النفوس عن الاعتداء؛ الاعتداء في القتل ابتداء، و الاعتداء في الثأر أخيرا. التقوى، حسّاسيّة القلب و شعوره بالخوف من اللّه، و تحرّجه من غضبه، و تطلّبه لرضاه.
إنّه بغير هذا الترابط لا تقوم شريعة، و لا يفلح قانون، و لا يتحرّج متحرّج، و لا تكفي التنظيمات الخاوية من الروح و الحسّاسيّة و الخوف، و الطمع في قوّة أكبر من قوّة الإنسان!
و بعد، فالآية هنا بصدد بيان تكافؤ الدم بشأن الأصناف الثلاثة، فيقاد من أحدهما للآخر من غير تفاضل، فالحرّ يقتل بالحرّ سواء. و العبد بالعبد سواء. و المرأة بالمرأة سواء، و هذا لا يستدعي عدم القود من أحد الأصناف لصنف آخر مطلقا، بأن لا يقتل الرجل بالمرأة، حيث عدم التكافؤ!؟
نعم لا يقتصّ منه بلا ردّ فاضل الدّية. فلو طلب أولياء المرأة أن يقتصّوا من الرجل الّذي قتلها، فعليهم أن يدفعوا فاضل ديته إلى أوليائه فيقتصّوا منه، كما ورد به النصّ، و تفصيل الكلام فيه موكول
[١] راجع تلخيص التلمود للدكتور« كهن» بترجمة أمير فريدون گرگاني: ٣١٩- ٣٢٢.