التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٦ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
و قد يستوجب السماح عنه رجاء إصلاحه و التعاضد معه في مسيرة الحياة، فهناك مجال العفو و الإغماض عمّا جنى.
و هكذا فليشعر الّذي جنى- مهما سفه و حمق في عمله هذا البغيض- أنّ وليّ الدم الّذي هتك حريمه، هو أخوه الّذي تفرّط بشأنه، و عليه فليرعو و يجدّد العهد بشأنه و يحفظ حريمه أكثر و أوفر.
إذن فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ و هذا العفو يكون- أكثريّا- بقبول الدية من أولياء الدم بدلا من قتل الجاني. و متى قبل وليّ الدم هذا و رضيه، فينبغي إذن أن يطالبه بالمعروف و الرضا و المودّة و لا يشدّد عليه بما يوجب حرجا عليه. كما و يجب على الجاني أو وليّه أن يقوم بوظيفته بوجه حسن، فيؤدّي المال بإحسان و إجمال و إكمال، تحقيقا لصفاء القلوب، و شفاء لجراح النفوس، و تقوية لأواصر الأخوّة بين البقيّة الأحياء.
و قد امتنّ اللّه على المؤمنين بتشريع الدية هذه بما فيها من تخفيف و رحمة: ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ. إذ قد تمرّد عن قانون الفضل و الإحسان، إضافة على تمرّده عن قانون العدل و الانصاف و من ثمّ فإنّ له فوق العذاب- يتوعده به- في الآخرة، تعيّن قتله و أن لا تقبل منه الدية البتّة. لأنّ الاعتداء بعد التراضي و القبول، نكث للعهد، و إهدار للتراضي، و إثارة للشحناء بعد صفاء القلوب. و متى قبل وليّ الدم الدية، فلا يحقّ له أن يعود فينتقم و يعتدي.
قال سيّد قطب: و من ثمّ ندرك سعة آفاق الإسلام، و بصره بحوافز النفس البشريّة عند التشريع لها، و معرفته بما فطرت عليه من النوازع .. إنّ الغضب للدم فطرة و طبيعة، فالإسلام يلبّيها بتقرير شريعة القصاص. فالعدل الجازم هو الّذي يكسر شرة النفوس، و يفثأ حنق الصدور. و يردع الجاني كذلك عن التمادي. و لكن الإسلام في الوقت ذاته يحبّب في العفو، و يفتح له الطريق، و يرسم له الحدود؛ فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص، دعوة إلى التسامي في حدود التطوّع، لا فرضا يكبت فطرة الإنسان و يحملها على ما لا تطيق![١]
و في الرواية عن ابن عبّاس- كما يأتي- أنّ شريعة التصالح على الدية، تخفيف على هذه الأمّة، لم تكن في شرائع سالفة[٢]، سوى القود أو التعذيب إمّا بنفي البلد أو الحبس في السجون
[١] في ظلال القرآن ١: ٢٣٣.
[٢] الطبري ٢: ١٥١.