التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٨ - سورة البقرة(٢) آية ١٨٥
قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ و هذا تحبيب آخر في أداء هذه الفريضة للصحيح و المقيم؛ إنّها صوم رمضان، الشهر الّذي أنزل فيه القرآن- بمعنى بدء نزوله كان في رمضان ليلة القدر- و القرآن كتاب هذه الأمّة الخالد، و الّذي أخرجهم من الظلمات إلى النور، و جعلهم على محجّة من الهدى و البيّنات، و منحهم الضياء و الفرقان، فأنشأهم هذه النشأة، و أبدل من خوفهم أمنا، و مكّن لهم في الأرض و وهبهم المقوّمات الّتي صاروا بها أمّة، و لم تكن من قبل شيئا. و هي بدون هذه المقوّمات ليست أمّة و ليس لها مكان في الأرض و لا ذكر في السماء.
فلا أقلّ من الشكر إزاء هذه النعم الجسام، بالاستجابة إلى صوم الشهر الّذي نزل فيه القرآن.
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ أي من حضر منكم الشهر غير مسافر، و شاهد الهلال أو أيقن به بأيّ وسيلة أخرى كانت موجبة للقطع برؤية الهلال.
و تأكيدا على وضع الصوم عن المسافر و المريض، عاد مكرّرا قوله: وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى متن سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. ذلك لأنّه تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ في جميع تشريعاته وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. إذ لا حرج في الدين، هذه هي القاعدة الكبرى لأسس التشريع في شريعة السماء فهي ميسّرة لا عسر فيها، الأمر الّذي يوحي بالسهولة و اليسر في أخذ الحياة كلّها، و تطبع نفس المسلم بطابع خاصّ من السماحة الّتي لا تكلّف فيها و لا تعقيد، سماحة تؤدّى معها كلّ التكاليف و كلّ الفرائض و كلّ نشاط في الحياة الجادّة، و كأنّما هي مسيل الماء الجاري، و نموّ الشجرة الصاعدة في طمأنينة و ثقة و رضاء، هذا، مع الشعور الدائم برحمة اللّه و إرادته اليسر لا العسر بعباده المؤمنين.
و قد جعل الصوم للمسافر و المريض في أيّام أخر، لكي يتمكّن المضطرّ من إكمال عدّة أيّام الشهر الّتي فاتته، فلا يضيع عليه أجرها: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ؛ فلا تفوتكم ميزاتها و مثوباتها.
و الصوم على هذا نعمة تستحقّ التكبير المستعقب للشكر و التقدير: وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
فهذه غاية من غايات الفريضة، أن يشعر المؤمن بقيمة الهدى الّذي يسّره اللّه له، و وفّقه اللّه على القيام به و أدائه بيسر و عافية، الأمر الّذي يجده المؤمن في نفسه في فترة الصيام أكثر من كلّ فترة.
حيث كفّ قلبه عن التفكير في معصية، و كفّ جوارحه عن إتيانها، و هو شاعر بالهدى ملموسا