التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٥ - دواء الصبر
و تتمّ الأسباب ينقضي العمر: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ[١] فضرب اللّه تعالى لها مثلا فقال تعالى:
وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ[٢] و الزهد في الدنيا لمّا أن كان ملكا حاضرا حسده الشيطان عليه فصدّه عنه.
و معنى الزهد أن يملك العبد شهوته و غضبه فينقادان لباعث الدين و إشارة الإيمان، و هذا ملك بالاستحقاق إذ به يصير صاحبه حرّا. و باستيلاء الشهوة عليه يصير عبدا لفرجه و بطنه و سائر أغراضه، فيكون مسخّرا مثل البهيمة مملوكا يستجرّه زمام الشهوة آخذا بمختنقه إلى حيث يريد و يهوى. فما أعظم اغترار الإنسان إذ ظنّ أنّه ينال الملك بأنّه يصير مملوكا! و ينال الربوبيّة بأن يصير عبدا! و مثل هذا هل يكون إلّا معكوسا في الدنيا منكوسا في الآخرة؟
و لهذا قال بعض الملوك لبعض الزهّاد: هل من حاجة؟ قال: كيف أطلب منك حاجة و ملكي أعظم من ملكك؟ فقال: كيف؟ قال: من أنت عبده فهو عبد لي! فقال: كيف ذلك؟ قال: أنت عبد شهوتك و غضبك و فرجك و بطنك، و قد ملكت هؤلاء كلّهم فهم عبيد لي.
فهذا إذن هو الملك في الدنيا و هو الّذي يسوق إلى الملك في الآخرة. فالمخدوعون بغرور الشيطان خسروا الدنيا و الآخرة جميعا، و الّذين وفّقوا للاشتداد على الصراط المستقيم فازوا بالدنيا و الآخرة جميعا.
فإذا عرفت الآن معنى الملك و الربوبيّة، و معنى التسخير و العبوديّة، و مدخل الغلط في ذلك و كيفيّة تعمية الشيطان و تلبيسه، يسهل عليك النزوع عن الملك و الجاه، و الإعراض عنه و الصبر عند فواته؛ إذ تصير بتركه ملكا في الحال و ترجو به ملكا في الآخرة.
و من كوشف بهذه الأمور بعد أن ألف الجاه و أنس به و رسخت فيه بالعادة مباشرة أسبابه فلا يكفيه في العلاج مجرّد العلم و الكشف؛ بل لا بدّ أن يضيف إليه العمل، و عمله في ثلاثة أمور:
أحدها: أن يهرب عن موضع الجاه كي لا يشاهد أسبابه فيعسر عليه الصبر مع الأسباب، كما يهرب من غلبته الشهوة من مشاهدة الصور المحرّكة، و من لم يفعل هذا فقد كفر نعمة اللّه في سعة
[١] يونس ١٠: ٢٤.
[٢] الكهف ١٨: ٤٥.