التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٧ - سورة البقرة(٢) آية ١٧٧
جعلها اللّه حقّا في أموال الأغنياء للفقراء و المعوزين. و من ثمّ فهو يقابل إيتاء المال المذكور أوّلا، حيث إنّه على الندب و هذا على الفرض، فليست الزكاة بديلة منه، و إنّما الزكاة ضريبة مفروضة، و الإنفاق تطوّع طليق. و البرّ لا يتمّ إلّا بهذه و تلك، و كلتاهما من مقوّمات الإسلام.
و خامسة: الوفاء بالعهد، إنّه سمة الإسلام الّتي يحرص عليها و يؤكّد عليها القرآن في مواضع، و يعدّها آية الإيمان و آية الآدميّة و آية الإحسان. و هي ضروريّة لإيجاد جوّ من الثقة المتبادلة في العلاقات: علاقات الأفراد و علاقات الجماعات و علاقات الأمم و الدول. تقوم أوّلا على الوفاء بالعهد مع اللّه. و بغير هذه السمة يعيش كلّ فرد منعزلا عن غيره، فزعا قلقا لا يركن إلى وعد و لا يطمئنّ إلى عهد و لا يثق بإنسان، الأمر الّذي يوجب تفكّكا في هيكل الجماعة الفاقدة للإيمان.
و سادسة: الصبر في البأساء و الضرّاء و حين البأس. إنّها تربية للنفوس و إعداد، كي لا تطير شعاعا مع كلّ نازلة، و لا تذهب حسرة مع كلّ فاجعة، و لا تنهار جزعا أمام كلّ شدّة. إنّه التجمّل و التماسك و الثبات حتّى تنقشع الغاشية و ترحل النازلة، و يجعل اللّه بعد عسر يسرا. إنّه الرجاء في اللّه و الثقة باللّه و الاعتماد على اللّه. و لا بدّ لأمّة تناط بها القوامة على البشريّة، و العدل في الأرض و بسط الصلاح، أن تهيّأ لمشاقّ الطريق و وعثائه بالصبر في البأساء و الضرّاء و حين الشدّة. الصبر في البؤس و الفقر، الصبر في القلّة و النقص، الصبر في الجهاد و الحصار، و الصبر على كلّ حال كي تتمكّن من النهوض بواجبها الضخم، و تؤدّي دورها الفخم، في ثبات و في ثقة و في طمأنينة و في اعتدال و اتّزان.
و الملحوظ: أنّ السياق هنا و في هذه الصفة- صفة الصبر في البأساء و الضرّاء و حين البأس- يبرزها بإعطاء كلمة الصَّابِرِينَ- بنصب- وصفا في العبارة يدلّ على الاختصاص. فما قبلها من الصفات مرفوع، أمّا هي فمنصوبة على الاختصاص بتقدير «و أخصّ الصابرين» و هي لفتة خاصّة لها وزنها في معرض صفات البرّ، لفتة خاصّة تبرز الصابرين و تميّزهم بالذات من بين سائر السمات.
و هو مقام للصابرين عظيم، و تقدير لصفة الصبر في ميزان اللّه يلفت الأنظار، و قد سبق[١] بعض الكلام عن الصبر و أهمّيته في بناء بنية الفرد و الجماعة، و الّتي هي آخذة في درجات الكمال.
[١] عند تفسير الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ.