التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٤ - سورة البقرة(٢) آية ١٧٧
و بذلك يصل السياق إلى تقرير الحقيقة الكبرى حول أمر القبلة و القضايا الجدليّة الّتي أثارتها اليهود بالذات حول شكليّات الشعائر و العبادات و كثيرا ما كانوا يثيرون الجدل حول هذه الأمور.
نعم، ليس القصد من تحويل القبلة، و لا من شعائر العبادة- على الإطلاق- أن يولّي الناس وجوههم قبل المشرق أو المغرب، نحو بيت المقدس أو المسجد الحرام، و ليست غاية البرّ- و هو الخير جملة- هي تلك الشعائر الظاهرة- إذا كانت مجرّدة عمّا يصاحبها في القلب من الشعور و في العمل من السلوك- إنّما البرّ هو تصوّر و شعور و أعمال و سلوك. تصوّر ينشئ أثره في ضمير الفرد و الجماعة، و عمل ينشئ أثره في حياة الفرد و الجماعة. و لا يغني عن هذه الحقيقة العميقة مجرّد تولية الوجه قبل المشرق و المغرب، سواء في التوجّه إلى القبلة هذه أم تلك، أو التسليم من الصلاة يمينا و شمالا، أو في سائر الحركات الظاهرة الّتي يزاولها الناس في الشعائر.
وَ لكِنَّ الْبِرَّ الّذي هو جماع الخير كلّه مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ إخبار عن المصدر باسم الذات للمبالغة كعكسه في قوله: «فإنّما هي إقبال و إدبار»[١]. و المقصود:
أنّ من اجتمعت فيه هذه الصفات، صار كأنّه متجسّد منها و قد تجسّدت في وجوده تلك النعوت و الفضائل.
و بعد فما ذا في تلك الصفات من قيم تجعل لها هذا الوزن في ميزان اللّه؟ إنّ الإيمان باللّه هو نقطة التحوّل في حياة البشريّة من العبوديّة لشتّى القوى و شتّى الأشياء و شتّى الاعتبارات، إلى عبوديّة خالصة للّه تحرّر بها النفس من كلّ علائقها المثبّطة لها عن الحركة نحو الكمال، كما هي نقطة التحوّل كذلك من الفوضى إلى النظام، و من التيه إلى القصد، و من التفكّك إلى وحدة الاتّجاه.
فهذه البشريّة، دون الإيمان باللّه وحده لا شريك له، لا تعرف لها قصدا مستقيما في الحياة و لا غاية مطّردة، و لا تعرف لها نقطة ارتكاز تتجمّع حولها في جدّ و في مساواة و في طمأنينة و سلام.
[١] من قصيدة قالها الخنساء في رثاء أخيها صخر:
|
فما عجول على بوّ تطيف به |
لها حنينان إصغار و إكبار |
|
|
لا تسأم الدهر منه كلّما ذكرت |
فإنّما هي إقبال و إدبار |
|
|
يوما بأوجد منّي حين فارقني |
صخر و للدهر إحلاء و إمرار |
|