التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤ - الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم عليه السلام
و حين قال: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ[١].
و حين قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ[٢].
و حين قال: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[٣].
و ما كان نحو هذا في القرآن، و ما سأل إبراهيم فاستجاب له. فَأَتَمَّهُنَ ثمّ زاده اللّه ممّا لم يكن في مسألته: قالَ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً في الدين يقتدى بسنّتك قالَ إبراهيم: يا ربّ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي فاجعلهم أئمة قالَ اللّه: إنّ في ذرّيتك الظلمة لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ يعني المشركين من ذرّيّتك. قال: لا ينال طاعتي الظلمة من ذرّيّتك و لا أجعلهم أئمة: أنحلها أوليائي و أجنّبها أعدائي[٤].
*** قد يحسب البعض أنّ ما ذهب إليه مقاتل، مسايرة مع قراءة أبي الشعثاء (جابر بن زيد): إبراهيم- رفعا- و ربّه- نصبا. ليكون المعنى: سأل و دعا إبراهيم ربّه.[٥]
قال الدكتور شحاتة: جرى مقاتل في تفسيره على أنّ الابتلاء كان من إبراهيم لربّه، و هي قراءة في الآية. على أنّه دعا ربّه بكلمات، مثل أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً، ليرى هل يجيبه على ما سأل؟ و على هذه القراءة فمعنى فَأَتَمَّهُنَ أي أعطاه اللّه جميع ما سأل.[٦]
لكنّها قراءة شاذّة منبوذة أنكرتها الأئمّة منذ أوّل يومها .. إذ لا موضع لعبد مثل إبراهيم الخليل عليه السّلام أن يقوم باختبار مولاه الجليل. و هل لا يكون قاطعا باستجابة ربّه الكريم لمثل عبده الصالح المستكين؟! و هو القائل- و قوله الحقّ و وعده الصدق-: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[٧]. و هل هناك داع أعزّ على اللّه من مثل إبراهيم، ذلك العبد الأوّاه المنيب؟! أو ليس إبراهيم هو القائل: إِنَّهُ
[١] إبراهيم ١٤: ٣٥.
[٢] إبراهيم ١٤: ٣٧.
[٣] البقرة ٢: ١٢٧.
[٤] تفسير مقاتل ١: ١٣٦- ١٣٧.
[٥] الثعلبي ١: ٢٦٧. قال الثعلبي: قيل له: و من أين لك هذا؟ فقال: أقرأنيه ابن عبّاس! قال الثعلبي: و هذا غير قويّ لأجل الباء في قوله: بِكَلِماتٍ و قرأ الباقون بالنصب و جعلوا معنى الابتلاء الاختبار و الامتحان في الأمر، و هو الصحيح.
[٦] هامش تفسير مقاتل ١: ١٣٧.
[٧] غافر ٤٠: ٦٠.