التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦ - هل تصلح إمامة الجائر؟
خبره، و لا يتقدّم للصلاة!
قال: و كان أبو حنيفة يفتي سرّا بوجوب نصرة زيد بن عليّ- رضوان اللّه عليهما- و حمل المال إليه، و الخروج معه على اللّصّ المتغلّب المتسمّى بالإمام و الخليفة، كالدوانيقي و أشباهه.
و قالت امرأة لأبي حنيفة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم و محمّد ابني عبد اللّه بن الحسن حتّى قتل! قال: ليتني مكان ابنك! و كان يقول في المنصور و أشياعه: لو أرادوا بناء مسجد و أرادوني على عدّ آجره لما فعلت! و عن ابن عيينة: لا يكون الظالم إماما قطّ. و كيف يجوز نصب الظالم للإمامة، و الإمام إنّما هو لكفّ الظلمة، فإذا نصب من كان ظالما في نفسه، فقد جاء المثل السائر: «من استرعى الذئب ظلم».[١]
و قال أبو بكر الرازي: و قد أفادت الآية أنّ شرط جميع من كان في محلّ الائتمام به في أمر الدين العدالة و الصلاح. و هذا يدلّ أيضا على أنّ أئمّة الصلاة ينبغي أن يكونوا صالحين غير فسّاق و لا ظالمين، لدلالة الآية على شرط العدالة لمن نصب منصب الائتمام به في أمور الدين[٢]، لأنّ عهد اللّه هو أوامره، فلم يجعل قبوله عن الظالمين منهم، و هو ما أودعهم من أمور دينه و أجاز قولهم فيه و أمر الناس بقبوله منهم و الاقتداء بهم فيه ..
فثبت أنّهم غير مؤتمنين على أوامر اللّه تعالى و غير مقتدى بهم فيها، فلا يكونون أئمّة في الدين. قال: فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق، و أنّه لا يكون خليفة. و أنّ من نصب نفسه في هذا المنصب و هو فاسق، لم يلزم الناس اتّباعه و لا إطاعته. كما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
قال: و دلّت الآية أيضا على أنّ الفاسق لا يكون حاكما، و أنّ أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم.
و كذلك لا تقبل شهادته و لا خبره إذا أخبر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا فتياه إذا كان مفتيا. و أنّه لا يقدّم للصلاة.
قال: فقد حوى قوله: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ هذه المعاني كلّها.
قال: و من الناس من يظنّ أنّ مذهب أبي حنيفة تجويز إمامة الفاسق و خلافته، و أنّه يفرّق بينه
[١] الكشّاف ١: ١٨٤.
[٢] و هذا ردّ على مذهب القائل بجواز الاقتداء بالبرّ و الفاجر، نظرا لما رووه:« صلّوا خلف كلّ برّ و فاجر».( شرح العقائد النسفيّة: ١١٥؛ البيهقي ٤: ١٩ رواه مكحول عن أبي هريرة؛ عوالي اللئالي ١: ٣٧/ ٢٨. و سنبحث عن ذلك.