التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٦ - مراتب الصبر
و القدرة الّتي بها تجاهد مقتضى الشهوات، و هذا قد خلق ذلك له و عطّله، فهو الناقص حقّا المدبر يقينا، و لذلك قيل:
|
و لم أر في عيوب الناس عيبا |
كنقص القادرين على التمام |
|
و ينقسم الصبر أيضا باعتبار اليسر و العسر إلى ما يشقّ على النفس فلا يمكن الدوام عليه إلّا بجهد جهيد و تعب شديد، و يسمّى ذلك تصبّرا. و إلى ما يكون من غير شدّة تعب بل يحصل بأدنى تحامل على النفس، و يخصّ ذلك باسم الصبر. و إذا دامت التقوى و قوي التصديق بما في العاقبة من الحسنى تيسّر الصبر، و لذلك قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى. وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى[١]. و مثال هذه القسمة قدرة المصارع على غيره، فإنّ الرجل القويّ يقدر على أن يصرع الضعيف بأدنى حملة و أيسر قوّة بحيث لا يلقاه في مصارعته إعياء و لا لغوب و لا تضطرب فيه نفسه و لا ينبهر[٢]. و لا يقوى على أن يصرع الشديد إلّا بتعب و مزيد جهد و عرق جبين. فهكذا تكون المصارعة بين باعث الدين و باعث الهوى، فإنّه على التحقيق صراع بين جنود الملائكة و جنود الشياطين، و مهما أذعنت الشهوات و انقمعت، و تسلّط باعث الدين و استولى و تيسّر الصبر بطول المواظبة، أورث ذلك مقام الرضا فالرضا أعلى من الصبر.
[٢/ ٣٨٥٦] و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اعبد اللّه على الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير»[٣].
و قال بعض العارفين: أهل الصبر على ثلاثة مقامات، أوّلها: ترك الشهوة، و هذه درجة التائبين. و ثانيها: الرضا بالمقدور، و هذه درجة الزاهدين. و ثالثها: المحبّة لما يصنع به مولاه، و هذه درجة الصدّيقين.
و ليعلم أنّ مقام المحبّة أعلى من الرضا، كما أنّ مقام الرضا أعلى من مقام الصبر. و كأنّ هذا الانقسام يجري في صبر خاصّ و هو الصبر على المصائب و البلايا.
و اعلم أنّ الصبر أيضا ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض و نفل و مكروه و محرّم. فالصبر عن
[١] الليل ٩٢: ٥- ٧.
[٢] الانبهار: تتابع النفس على أثر الجهد و الإعياء.
[٣] التحفة السنية، السيّد عبد اللّه الجزائري: ٤٥. و رواه الحاكم( ٣: ٥٤١) بلفظ:« فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإنّ في الصبر على ما تكرهه خيرا كثيرا».