التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٤ - دواء الصبر
الملك ملكان: ملك مشوب بأنواع الآلام و ملحوق بسرعة الانصرام، و لكنّه عاجل و هو في الدنيا.
و ملك مخلّد دائم لا يشوبه كدر و لا ألم و لا يقطعه قاطع و لكنّه آجل ... و قد خلق الإنسان عجولا راغبا في العاجلة، فجاء الشيطان و توسّل إليه بواسطة العجلة- الّتي في طبعه- فاستغواه بالعاجلة و زيّن له الحاضرة، و توسّل إليه بواسطة الحمق فوعده بالغرور في الآخرة و منّاه مع ملك الدنيا ملك الآخرة.
[٢/ ٣٨٨٦] كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و الأحمق من اتّبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه الأماني»[١] فانخدع المخذول بغروره و اشتغل بطلب عزّ الدنيا و ملكها على قدر إمكانه. و لم يتدلّ الموفّق بحبل غروره إذ علم مداخل مكره فأعرض عن العاجلة، فعبر عن المخذولين بقوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ. وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ[٢] و قال تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا[٣] و قال تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا. ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ[٤].
و لمّا استطار مكر الشيطان في كافّة الخلق أرسل اللّه الملائكة إلى الرسل و أوحوا إليهم ما تمّ على الخلق من إهلاك العدوّ و إغوائه، فاشتغلوا بدعوة الخلق إلى الملك الحقيقي عن الملك المجازي الّذي لا أصل له أصلا فنادوا فيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ[٥].
فالتوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان و صحف موسى و إبراهيم و كلّ كتاب منزل ما أنزل إلّا لدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد، و المراد منهم أن يكونا ملوكا في الدنيا، ملوكا في الآخرة.
أمّا ملك الدنيا: فالزهد فيها و القناعة باليسير منها. و أمّا ملك الآخرة: فبالقرب من اللّه تعالى يدرك بقاء لا فناء فيه و عزّا لا ذلّ فيه و قرّة عين أخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس.
و الشيطان يدعوهم إلى ملك الدنيا، لعلمه بأنّ ملك الآخرة يفوت به، إذ الدنيا و الآخرة ضرّتان، و لعلمه بأنّ الدنيا لا تسلم له أيضا، و لو كانت تسلم له لكان يحسده أيضا، و لكن ملك الدنيا لا يخلو عن المنازعات و المكدرات و طول الهموم في التدبيرات، و كذا سائر أسباب الجاه. ثمّ مهما تسلّم
[١] فيض القدير ٢: ٤٤٥/ ٢٠٢٥.
[٢] القيامة ٧٥: ٢٠- ٢١.
[٣] الإنسان ٧٦: ٢٧.
[٤] النجم ٥٣: ٢٩- ٣٠.
[٥] التوبة ٩: ٣٨.