التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٠ - نظرة في حديث«لا وصية لوارث»
و قد أنكر أبو مسلم الأصبهاني نسخ الآية، لوجوه قرّرها الإمام الرازي كما يلي: قال: اختلفوا في هذه الآية أنّها منسوخة أم لا، و اختار أبو مسلم الأصبهاني عدم النسخ لوجوه:
أحدها: أن لا تنافي بين هذه الآية و آية المواريث، إذ يمكن أن يقال- في الجمع بين الآيتين-:
كتب عليكم ما أوصى اللّه به من توريث الوالدين و الأقربين حسب آية المواريث. أو كتب عليكم بتوفير ما أوصى اللّه بشأن الوالدين و الأقربين، و أن لا ينقص من سهامهم شيء.
و ثانيها: أنّه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصيّة بالميراث عطيّة من اللّه.
و الوصيّة عطيّة ممّن حضره الموت. فالوارث يجمع- بحكم الآيتين- بين الوصيّة الّتي هي عطيّة، و بين الميراث الّذي هو فرض من اللّه.
و ثالثها: لو فرضنا التنافي بين الآيتين لأمكن الجمع بجعل آية الميراث مخصّصة لآية الوصيّة.
حيث هذه الآية توجب الوصيّة للأقربين، و آية الميراث تخرج القريب الوارث، و يبقى القريب غير الوارث داخلا تحت الآية، و ذلك لأنّ من الوالدين من يرث و من لا يرث، بسبب اختلاف الدين أو الرقّيّة أو القتل. و من الأقربين من لا يحجب عن الإرث و من كان يحجب عن الميراث، فكلّ من كان من هؤلاء وارثا لم تجز الوصيّة له، و من لم يكن وارثا جازت بشأنه و لأنّه صلة رحم و قد أكّد اللّه عليه بقوله: وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ[١]. و بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى[٢].
قال الرازي: فهذا تقرير مذهب أبي مسلم في هذا الباب[٣].
و اعترض عليه الحافظ ابن كثير في التفسير قائلا: و العجب من أبي عبد اللّه محمّد بن عمر الرازي، كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصبهاني أنّ هذه الآية غير منسوخة، و إنّما هي مفسّرة بآية المواريث؛ و معناه: كتب عليكم ما أوصى اللّه به من توريث الوالدين و الأقربين، من قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ. قال- أي الفخر الرازي-: و هو قول أكثر المفسّرين و المعتبرين من الفقهاء[٤].
قلت: و لا عجب بعد عدم توفّر شرائط النسخ هنا، حسبما تقرّر الكلام فيه.
[١] النساء ٤: ١.
[٢] النحل ١٦: ٩٠.
[٣] التفسير الكبير ٥: ٦١- ٦٢.
[٤] ابن كثير ١: ٢١٧- ٢١٨.