التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥١ - سورة البقرة(٢) آية ١٧١
قال: لا جرم ليعطينّك اللّه على قدر ذلك؛ إنّ اللّه يعطي على قدر الألم و المصيبة، و عنده تضعيف كثير. قال الربيع: يا أمير المؤمنين، أ لا أشكو إليك عاصم بن زياد أخي؟ قال: ما له؟ قال: لبس العباء و ترك الملاء[١] و غمّ أهله و حزن ولده! فقال عليه السّلام: أدعوا لي عاصما، فلمّا أتاه عبس في وجهه، و قال:
ويحك- يا عاصم- أ ترى اللّه أباح لك اللذّات و هو يكره ما أخذت منها؟ لأنت أهون على اللّه من ذلك، أو ما سمعته يقول: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ[٢] ثمّ قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ[٣] و قال:
وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها[٤]. أما و اللّه، إنّ ابتذال نعم اللّه بالفعال أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال، و قد سمعتم اللّه يقول: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[٥]، و قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ[٦]. إنّ اللّه خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ[٧]، و قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً[٨]. و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لبعض نسائه: «ما لي أراك شعثاء و مرهاء سلتاء![٩].
قال عاصم: فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن و أكل الجشب؟ قال: إنّ اللّه تعالى افترض على أئمّة العدل أن يقدّروا لأنفسهم بالقوام، كي لا يتبيّغ بالفقير فقره».
فما قام عليّ عليه السّلام حتّى نزع عاصم العباء و لبس ملاءة.
*** قال ابن أبي الحديد: و الربيع بن زياد هو الّذي افتتح بعض خراسان، على عهد عمر، و كان خيّرا متواضعا متقشّفا في ملبسه و مأكله.
و كان على عهد معاوية على قطعة من خراسان، فكتب إليه زياد بن أبيه: أنّ معاوية كتب إليّ يأمرك أن تحرز الصفراء و البيضاء، و تقسّم الخرثيّ[١٠] و ما أشبهه على أهل الحرب! فأجابه الربيع:
[١] الملاء: ثوب ضفضاف، يلبسه ذوو الشرف.
[٢] الرحمن ٥٥: ١٩.
[٣] الرحمن ٥٥: ٢٢.
[٤] فاطر ٣٥: ١٢.
[٥] الضحى ٩٣: ١١.
[٦] الأعراف ٧: ٣٢.
[٧] البقرة ٢: ١٧٢.
[٨] المؤمنون ٢٣: ٥١.
[٩] الشعثاء: المغبرّة الشعر، لا تمتشط، و المرهاء: التي لا تكتحل. و السلتاء: الّتي لا تختضب.
[١٠] الخرثيّ: أردأ المتاع و سقطه.