التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٩ - سورة البقرة(٢) آية ١٧١
[٢/ ٤٢٩٦] و من كلام لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام عند ما دخل على العلاء[١] بن زياد الحارثي، و هو من أصحابه يعوده. فلمّا رأى سعة داره قال:
«ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج! بلى إن شئت بلغت بها الآخرة: تقري فيها الضيف، و تصل فيها الرحم، و تطلع منها الحقوق مطالعها. فإذن أنت قد بلغت بها الآخرة!».
فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد! قال: و ما له؟ قال: لبس العباء و تخلّى من الدنيا!
قال: عليّ به، فلمّا جاء، قال:
«يا عديّ[٢] نفسه! لقد استهام بك الخبيث[٣]! أمّا رحمت أهلك و ولد لك! أ ترى اللّه أحلّ لك الطيّبات، و هو يكره أن تأخذها! أنت أهون على اللّه من ذلك!
قال عاصم: يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك و جشوبة مأكلك!
قال عليه السّلام: «ويحك، إنّي لست كأنت، إنّ اللّه تعالى فرض على أئمّة الحقّ أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس، كي لا يتبيّغ بالفقير فقره!»[٤]
*** و لابن أبي الحديد كلام عن مقامات العارفين نذكره بنصّه:
[٢/ ٤٢٩٧] قال: و روي أنّ قوما من المتصوّفة (و هم أصحاب التقشّف في الحياة) دخلوا على الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام و هو بخراسان، فقالوا له: إنّ أمير المؤمنين- يعنون مأمون العباسيّ- فكّر فيما ولّاه اللّه من الأمور، فرآكم- أهل البيت- أولى الناس أن تؤمّوا الناس. فنظر فيك من أهل البيت، فرآك أولى الناس بالناس، فرأى أن يردّ هذا الأمر إليك. و الإمامة تحتاج إلى من يأكل الجشب و يلبس الخشن و يركب الحمار و يعود المريض!
[١] و لعلّ الصحيح: الربيع بن زياد. على ما ذكره ابن أبي الحديد ١١: ٣٧. إذ لم يعرف العلاء بن زياد، هذا.
[٢] عديّ: مصغّر عدوّ.
[٣] أي استحوذ عليك الشيطان فجعلك تهيم في ضلال.
[٤] شرح النهج ١١: ٣٢/ ٢٠٢. و التبيّغ: الهياج. يقال: تبيّغ الدم بصاحبه إذا هاج به.