التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ١١٩ الى ١٢٣
[ادامة تفسير سورة البقرة في ضوء الدّلائل و البيّنات]
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٩ الى ١٢٣]
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)
و بعد أن انتهت مقولاتهم و فضحت أباطيلهم، يتوجّه الخطاب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يبيّن له وظيفته، و يحدّد له تبعاته، و يكشف له عن حقيقة المعركة بينه و بين العرب المشركين من جهة، و بينه و بين أهل الكتاب و لا سيّما اليهود من جهة أخرى و أنّ طبيعة الخلاف، الذي لا حلّ له. فإنّه لا يملك مقابلته و لا التعامل عليه إلّا بثمن باهظ قد يحطّ من قدره و منزلته عند اللّه و حاشاه من نبيّ كريم؟!
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِ لا مرية فيه و لا موضع للشكّ فيه، بعد وضوح الدلائل و البيّنات. بَشِيراً وَ نَذِيراً. كانت وظيفتك البلاغ و الأداء، تبشّر أهل الطاعة المستسلمين للحقّ الصّراح .. و تنذر العصاة العتاة، ممّن لمسوا الحقّ فنبذوه. وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ فلا مسئوليّة عليك وراء الإنذار و التبليغ، إذ ليس عليك هداهم. و لست عليهم بمصيطر .. فإن صاروا إلى الجحيم فبظلم منهم، و لا تزر وازرة وزر أخرى.
أمّا العصاة المردة من أهل الكتاب، فإنّهم على درجة بالغة من العصبيّة العمياء، فلن ترضخ نفوسهم العاتية لتستسلم للحقّ مهما وضح سبيله و تبيّنت معالمه. لأنّهم على غلواء من العتوّ و الاستكبار فلا يرضون منك بأقلّ من الاستسلام لهم هم و اتّباع سبيلهم في الغيّ و الضلال.
وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ العنود وَ لَا النَّصارى الجحود حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ: تجاريهم على طريقتهم الملتوية .. فتلك هي العلّة الوحيدة، و لم يكن يعوزهم البرهان.