التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٨ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
إلى مجاله في الفقه.
و من ثمّ فلا نسخ هنا، لعدم المنافاة بينه و بين تفاصيل قانون القصاص.
*** و تذكر الروايات أنّ آية القصاص هنا- باعتبار- معادلة الحرّ بالحرّ و العبد بالعبد و الأنثى بالأنثى- نزلت بشأن حيّين من العرب اقتتلوا في الجاهليّة- قبل الإسلام بقليل- فكان بينهم قتل و جراحات، حتّى قتلوا العبيد و النساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتّى أسلموا، فكان أحد الحيّين يتطاول على الآخر في العدّة و الأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتّى يقتلوا بالعبد منّا الحرّ منهم، و بالمرأة منّا الرجل منهم، فنزل فيهم: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى منهما. ثمّ نسخت، نسختها: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ[١].
و قال أبو عليّ الطبرسي: هذه الآية نزلت في حيّين من العرب لأحدهما طول على الآخر، و كانوا يتزوّجون نساء بغير مهور، و أقسموا لنقتلنّ بالعبد منّا الحرّ منهم، و بالمرأة منّا الرجل منهم، و بالرجل منّا الرجلين منهم. و جعلوا جراحاتهم على الضعف من جراح أولئك، حتّى جاء الإسلام، فأنزل اللّه هذه الآية[٢].
*** قلت: لا يمكننا الموافقة على هذا الرأي، باعتباره الآية نازلة لتعديل عادة جاهليّة، و لكن تعديلا لا يتناسب و منهج العدل الّذي يسير عليه الإسلام، إذ كانت العرب تقتل من قبيلة القاتل أيّا كان من غير أن يعمدوا إلى القاتل خاصّة، و هكذا كانوا يأخذون ثأرهم بغير هوادة، و لا تزال العادة جارية حتّى اليوم، ممّا سبّب مشكلة عويصة في أوساط عربيّة قاحلة إلى حدّ بعيد.
نعم كانت العادة أسوأ- في الجاهليّة الأولى- حيث كانوا يقتلون بالواحد عشرات و بالعبيد الأحرار، و بالأناثي الذكور، من غير رعاية قانون القصاص، بل مجرّد انتقام و الأخذ بالثأر في شكل فظيع.
[١] المائدة ٥: ٤٥. راجع: ابن أبي حاتم ١: ٢٩٣- ٢٩٤.
[٢] مجمع البيان ٢: ٢٦٤- ٢٦٥.