التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
فلو كانت الآية نازلة لتعديل هذا النظام الجاهل، فمعناه: الترخيص في قتل البريء- إرواء لحسّ الانتقام- على شرط الاقتصار بالمماثلة في العدد و الجنس[١]، الأمر الّذي ترفضه شريعة العقل و منهج العدل الإسلاميّ الحكيم.
هذا المعنى غير معقول، فكيف القول بأنّه شرّع ثمّ فسخ. إذ لا يمكن القول بتشريع قانون إلهيّ يخالف شريعة العقل، و لو للحظة!؟
و من ثمّ فمن المستغرب ما فهمه سيّد قطب من هذه الآية، بأنّ مجالها مجال الاعتداء الجماعي- كحالة ذينك الحيّين من العرب- حيث تعدّى أسرة على أسرة، أو قبيلة على قبيلة، أو جماعة على جماعة. فتصيب منها من الأحرار و العبيد و النساء. فإذا أقيم ميزان القصاص، كان الحرّ من هذه بالحرّ من تلك، و العبد من هذه بالعبد من تلك، و الأنثى من هذه بالأنثى من تلك.[٢] أي إذا قتل منهم عبد فليقتلوا عبدا من عبيدهم، و لو كان غير القاتل!؟ هذا رأي غريب جدّا، و يتنافى مع روح الإسلام العادلة.
قال الشيخ محمّد عبده: تعني الآية أنّ الحرّ إذا قتل حرّا يقتل هو به لا غيره من سادات القبيلة و لا أكثر من واحد. و إذا قتل عبد عبدا يقتل هو به لا سيّده، و لا أحد الأحرار من قبيلته. و كذلك المرأة إذا قتلت تقتل هي، و لا يقتل أحد فداء عنها. خلافا لما كانت عليه الجاهليّة في ذلك كلّه.
فالقصاص على القاتل نفسه أيّا كان لا على أحد من قبيلته. فما كانت عليه العرب في الثأر يبيّن هذا المعنى من الآية[٣].
*** بقي هنا شيء لا بدّ من التنبّه له، و هو أنّ ظاهر سياق الآية في مقابلة الأصناف بالأصناف أن لا يقتل فريق بفريق آخر، فلا يقتل رجل بامرأة و لا حرّ بعبد، فلا يجري القصاص لو تخالف الصنفان.
و هذا غير مراد البتّة، لأنّه من الأخذ بمفهوم الخطاب لا بمنطوقه، و لا حجيّة في الدلالة
[١] بأن يقتلوا إزاء العبد عبدا، و إزاء الأنثى أنثى، حتّى و لو كان غير القاتل ... و هذا غير معقول و لا مقبول البتّة.
[٢] في ظلال القرآن ٢: ٢٣٤.
[٣] المنار ٢: ١٢٦.