التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٢٤ الى ١٤١
و في ثنايا هذا العرض التاريخي يبرز السياق: أنّ الإسلام- بمعنى إسلام الوجه للّه وحده- كان هو الرسالة الأولى، و كان هو الرسالة الأخيرة. هكذا اعتقد إبراهيم، و هكذا اعتقد من بعده إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط، حتّى أسلموا هذه العقيدة ذاتها إلى موسى و عيسى. ثمّ آلت أخيرا إلى ورثة إبراهيم من المسلمين. فمن استقام على هذه العقيدة الواحدة فهو وريثها، و وريث عهودها و بشاراتها. و من فسق عنها، و رغب بنفسه عن ملّة إبراهيم، فقد فسق عن عهد اللّه، و قد فقد وراثته لهذا العهد و بشاراته.
و عندئذ تسقط كلّ دعاوي اليهود و النصارى في اصطفائهم و اجتبائهم، لمجرّد أنّهم أبناء إبراهيم و حفدته .. لقد سقطت عنهم الوراثة منذ أن انحرفوا عن هذه العقيدة.
و عندئذ تسقط كذلك كلّ دعاوي قريش في الاستئثار بالبيت الحرام و شرف القيام عليه و عمارته، لأنّهم قد فقدوا حقّهم في وراثة باني هذا البيت و رافع قواعده، بانحرافهم عن عقيدته.
ثمّ تسقط كلّ دعاوي اليهود فيما يختصّ بالقبلة التي ينبغي أن يتّجه إليها المسلمون. فالكعبة هي قبلتهم و قبلة أبيهم إبراهيم.
كلّ ذلك في نسق من العرض و الأداء و التعبير عجيب؛ حافل بالإشارات الموحية، و الوقفات العميقة الدلالة، و الإيضاح القويّ التأثير[١]. فلنأخذ في استعراض هذا النسق العالي في ظلّ هذا البيان المنير:
*** وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ هي مواقفه المشهودة التي قضاها بسلام فَأَتَمَّهُنَ وفّاهنّ وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى[٢]. و بذلك استحقّ تلك البشرى، أو تلك الثقة الكبرى: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قدوة، يقودهم إلى اللّه، و أسوة يأخذ بهم إلى سعادة الحياة الأبديّة.
و عند ذلك تداركت إبراهيم فطرته الإنسانيّة العليا: الرغبة في امتداد الذات الكريمة عن طريق الذراري و الأحفاد ذلك الشعور الفطريّ العميق، الذي أودعه اللّه فطرة البشر لتنمو الحياة و تزدهر و تمضي في طريقها المرسوم، و يكمل اللاحق ما بدأه السابق، و تتعاون الأجيال جميعا و تتساوق
[١] في ظلال القرآن ١: ١٥٢- ١٥٤.
[٢] نجم ٥٣: ٣٧.