التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٤ - سورة البقرة(٢) آية ١٢٨
و الملك الموكّل بالبيت. و ملك الشمس. و ملك القمر. و ملك آخر. فلمّا فرغا من بناء البيت قالا:
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا يعني بناء هذا البيت الحرام إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لدعائهما ربّنا تقبّل منّا[١].
[٢/ ٣٣٦٠] و أخرج ابن جرير عن السدّي في قوله: وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ قال: فانطلق إبراهيم حتّى أتى مكّة، فقام هو و إسماعيل و أخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث اللّه ريحا يقال لها ريح الخجوج[٢]، لها جناحان و رأس في صورة حيّة.
فكنست لهما ما حول الكعبة، و عن أساس البيت الأوّل، و اتّبعاها بالمعاول يحفران حتّى وضعا الأساس؛ فذلك حين يقول: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ[٣] فلمّا بنيا القواعد فبلغا مكان الركن قال إبراهيم لإسماعيل: يا بنيّ اطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا! قال: يا أبت إنّي كسلان تعب! قال: عليّ بذلك! فانطلق فطلب له حجرا فجاءه بحجر، فلم يرضه، فقال: اثنتي بحجر أحسن من هذا! فانطلق يطلب له حجرا؛ و جاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، و كان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثّغامة[٤]، و كان آدم هبط به من الجنّة فاسودّ من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاء بهذا؟ فقال: من هو أنشط منك. فبنياه[٥].
[٢/ ٣٣٦١] و أخرج الثعلبي قال: سمعت أبا القاسم الحسن بن محمّد بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن محمّد بن أحمد القطان البلخي و كان عالما بالقرآن يقول: كان إبراهيم يتكلّم بالسّريانيّة، و إسماعيل يتكلّم بالعربيّة، و كلّ واحد منهما يعرف ما يقول صاحبه و لا يمكنه التفوّه به، فكان إبراهيم يقول لإسماعيل: هل لي كثيبا- يعني ناولني حجرا- و يقول له إسماعيل: هاك الحجر فخذه. قال: فبقي موضع حجر فذهب إسماعيل يبغيه، فجاء جبريل بحجر من السماء، فأتى إسماعيل و قد ركّب إبراهيم الحجر في موضعه فقال: يا أبت من أتاك بهذا في موضعه؟! قال: أتاني
[١] تفسير مقاتل ١: ١٣٨.
[٢] الريح الخجوج: الشديدة المرّ الّتي تلتوي في هبوبها و تشقّ شقّا بشدّة عصفها.
[٣] الحج ٢٢: ٢٦.
[٤] الثغام: شجرة بيضاء الثمر و الزهر تنبت في قنّة الجبل، و إذا يبست اشتدّ بياضها. واحدتها ثغامة.
[٥] الطبري ١: ٧٦٤/ ١٦٩٢؛ ابن أبي حاتم ١: ٢٣٢- ٢٣٣/ ١٢٣٧، و زاد:« و هما يدعوان الكلمات الّتي ابتلى إبراهيم ربّه فقال: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا ....»: ابن كثير ١: ١٨٤.