التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٦ - حقيقة الصبر و معناه
تنتظم من ثلاثة أمور: معارف، و أحوال، و أعمال. فالمعارف هي الأصول، و هي تورث الأحوال، و الأحوال تثمر الأعمال! فالمعارف كالأشجار، و الأحوال كالأغصان، و الأعمال كالثمار. و هذا مطّرد في جميع منازل السالكين إلى اللّه تعالى. و اسم الإيمان تارة يختصّ بالمعارف، و تارة يطلق على الكلّ. و كذلك الصبر لا يتمّ بمعرفة سابقة و بحالة قائمة. فالصبر على التحقيق عبارة عنها، و العمل هو كالثمرة يصدر عنها، و لا يعرف هذا إلّا بمعرفة كيفيّة الترتيب بين الملائكة و الإنس و البهائم. فإنّ الصبر خاصّيّة الإنس، و لا يتصوّر ذلك في البهائم و الملائكة، أمّا في البهائم فلنقصانها، و أمّا في الملائكة فلكمالها.
و بيانه: أنّ البهائم سلّطت عليها الشهوات و صارت مسخّرة لها فلا باعث لها على الحركة و السكون إلّا الشهوة، و ليس فيها قوّة تصادم الشهوة و تردّها عن مقتضاها حتّى يسمّى ثبات تلك القوّة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا.
و أمّا الملائكة عليهم السّلام فإنّهم جرّدوا للشوق إلى حضرة الربوبيّة و الابتهاج بدرجة القرب منها و لم تسلّط عليهم شهوة صارفة صادّة عنها حتّى يحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف.
و أمّا الإنسان فإنّه خلق في ابتداء الصبا ناقصا مثل البهيمة لم يخلق فيه إلّا شهوة الغذاء الّذي هو محتاج إليه، ثمّ تظهر فيه شهوة اللعب و الزينة، ثمّ شهوة النكاح، على الترتيب، و ليس له قوّة الصبر البتّة؛ إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتضادّ مقتضياتهما و مطالبهما، و ليس في الصّبي إلّا جند الهوى كما في البهائم، و لكنّ اللّه تعالى بفضله وسعة جوده أكرم بني آدم و رفع درجتهم عن درجة البهائم فوكّل به عند كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين؛ أحدهما يهديه، و الآخر يقويه، فتميّز بمعونة الملكين عن البهائم. و اختصّ بصفتين: إحداهما معرفة اللّه تعالى و معرفة رسوله، و معرفة المصالح المتعلّقة بالعواقب. و كلّ ذلك حاصل من الملك الّذي إليه الهداية و التعريف. فالبهيمة لا معرفة لها و لا هداية إلى مصلحة العواقب بل إلى مقتضى شهواتها في الحال فقط، فلذلك لا تطلب إلّا اللذيذ. و أمّا الدواء النافع مع كونه مضرّا في الحال فلا تطلبه و لا تعرفه، فصار الإنسان بنور الهداية يعرف أنّ اتّباع الشهوات له مغبّات مكروهة في العاقبة، و لكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضرّ، فكم من مضرّ