التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٨ - وقفة عند قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر
أي إذا غبت عنّي فإنّي لا أكلّم عشيرتي و لا آنس بهم، حتّى كانّي غريب في الديار!
و قوله تعالى: يَوْمٌ مَشْهُودٌ[١] أي محضور يحضره أهل السماء و الأرض. و مثله: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً[٢] يعني صلاة الفجر يحضرها ملائكة اللّيل و ملائكة النّهار.
و قوله تعالى: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ[٣] أي أحضر سمعه و قلبه شاهد لذلك غير غائب عنه.
و قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ؛ معناه: من شهد منكم المصر في الشهر، لا يكون إلّا ذلك، لأنّ الشهر يشهده كلّ حيّ فيه. قال الفرّاء: نصب الشهر بنزع الصفة و لم ينصبه بوقوع الفعل عليه؛ المعنى: فمن شهد منكم في الشهر أي كان حاضرا غير غائب في سفره. و شاهد الأمر و المصر كشهده[٤].
*** إذن فمعنى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ: من حضر أي كان حاضرا غير مسافر في هذا الشهر.
يقال: فلان شهد بدرا و شهد أحدا أو شهد المشاهد كلّها مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أي حضرها.
و الشهر على هذا ظرف (مفعول فيه) لفعل شهد أي حضر في الشهر و لم يكن مسافرا.
و هذا أنسب لقوله تعالى بعد: وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ أي على متن سفر.
و من ذلك يفهم: أنّ من حضر بعضه يصوم أيّام حضوره. كما فهمه ابن جرير الطبري[٥].
أمّا إذا أخذنا شهد بمعنى علم- شهودا بالبصيرة و اليقين، لا بالبصر و العيان صرفا- فيكون انتصاب الشهر على المفعول به بتقدير مضاف أي علم بحلول الشهر، سواء كان برؤية الهلال، فيكون الشهود بالإبصار سببا للشهود بالعلم و اليقين أم كان بما أوتي من علم الحساب على ما يراه المنجّمون[٦].
[١] هود ١١: ١٠٣. تمام الآية: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.
[٢] الإسراء ١٧: ٧٨.
[٣] سورة ق ٥٠: ٢١.
[٤] لسان العرب ٣: ٢٣٩- ٢٤١.
[٥] راجع آخر ما نقلنا من كلامه.
[٦] و قد سبق عن بعض السلف.