التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٤ - مراتب الصبر
و إلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى: أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[١] فإنّ الكفّار لم يغلطوا فيما غلطوا فيه إلّا بمثل هذه الانعكاسات، نسأل اللّه حسن التوفيق بكرمه و لطفه.
مراتب الصبر
اعلم أنّ باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقهر داعي الهوى فلا تبقى له قوّة المنازعة و يتوصّل إليه بدوام الصبر، و عند هذا يقال من صبر ظفر. و الواصلون إلى هذه الرتبة هم الأقلّون، فلا جرم هم الصدّيقون المقرّبون:
الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا[٢]. فهؤلاء لازموا الطريق المستقيم و استووا على الصراط القويم و اطمأنّت نفوسهم على مقتضى باعث الدين. و إيّاهم ينادي المنادي: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً[٣].
الحالة الثانية: أن تغلب دواعي الهوى و تسقط بالكلّيّة منازعة باعث الدين فيسلم نفسه إلى جند الشياطين و لا يجاهد، لبأسه من المجاهدة، و هؤلاء هم الغافلون و هم الأكثرون، و هم الّذين استرقّتهم شهواتهم و غلبت عليهم شقوتهم فحكّموا أعداء اللّه في قلوبهم الّتي هي سرّ من أسرار اللّه تعالى و أمر من أمور اللّه. و إليهم الإشارة بقوله تعالى: وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ[٤]. و هؤلاء هم الّذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فخسرت صفقتهم، و قيل لمن قصد إرشادهم: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا. ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ[٥].
و هذه الحالة علامتها اليأس و القنوط و الغرور بالأماني، و هو غاية الحمق كما:
[٢/ ٣٨٥٥] قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الكيّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و الأحمق من اتّبع نفسه هواها
[١] الملك ٦٧: ٢٢.
[٢] فصّلت ٤١: ٣٠.
[٣] الفجر ٨٩: ٢٧- ٢٨.
[٤] السجدة ٣٢: ١٣.
[٥] النجم ٥٣: ٢٩- ٣٠.