التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٦ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٤٢ الى ١٥٢
إنّها تأخذ بصلب الدين في إمعان و تعمّق و تفكير. كما أنّها وسط في التنظيم و التدبير و في كلّ ما يرتبط و علاقته بالحياة.
و بذلك جاءت الإشارة في سورة الحجّ: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ[١] فالأمّة برمّتها مسئولة تجاه الرسول، في أداء رسالة اللّه في الأرض.
و عليه فتمتاز هذه الأمّة باستقلالها الذاتيّ في جميع مجالات الحياة معنويّاتها و مادّياتها.
نعم كان الاتّجاه الأوّل- نحو بيت المقدس- لغرض الاختبار وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ.
وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً «إن» مخفّفة عن المثقّلة، أي و بحقّ كان تكليفا اختباريّا شاقّا. أمّا الّذين تجرّدت نفوسهم طوع إرادة اللّه. فلم يكن ذلك صعبا عليهم: إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ هدى اللّه قلوبهم فتفتّحت منافذها لتلقّي إشعاعات رحمته تعالى الخاصّة بالمؤمنين.
وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ حيث لا تشبه عليه خلجات الصدور إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ عموما لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. ذو رحمة شاملة و عطف عامّ.
و بهذا يفيض على قلوب المسلمين الطمأنينة، و يذهب عنها القلق، و يجعلهم على رضى و ثقة و يقين.
و بعد ذلك يعلن استجابة اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أمر القبلة: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
إنّ هذا التعبير يصوّر حالة النبيّ و ضراعته إلى اللّه كي يجعل له مخرجا من ذلك المأزق.
و جاءت الاستجابة في تعبير قاطع، تكليفا له و لأمّته حيثما كانوا من أنحاء الأرض و على امتداد الزمان. قبلة واحدة تجمع هذه الأمّة و توحّد صفوفها على اختلاف مواطنها و اختلاف أجناسها و مآربها، فتحسّ أنّها جسم واحد و كيان واحد، تتّجه إلى هدف واحد، و تسعى لتحقيق منهج واحد، منهج ينبثق من كونها جميعا تعبد إلها واحدا، و تؤمن برسول واحد، و تتّجه إلى قبلة واحدة، في صفّ متراصّ حيث شرق الأرض و غربها.
[١] الحجّ ٢٢: ٧٨.