التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٨ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٤٢ الى ١٥٢
دسائس يهوديّة، فحاولوا الركض وراء السراب، و من ثمّ هذه الحدّة في التحذير و هذا الجزم في التعبير.
نعم ليس الحقّ بالّذي يخفى، و إن حاول إخفاءه الزائفون:
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ يعرفون الحقّ فيما جاء به القرآن معرفة لا مرية فيها كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ.
و معرفة الناس بأبنائهم هي قمّة المعرفة، و هي مثل يضرب في لغة العرب لليقين الّذي لا شبهة فيه. إذن فلا وقع لتشكيكاتهم بعد عرفان الكتمان منهم.
و من هنا صحّ البيان الصريح: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
و لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليشكّ، و لكنّ الخطاب يحمل إيحاء قويّا إلى من وراءه من المسلمين، سواء منهم من كان في ذلك الحين و كاد يتأثّر بأباطيل اليهود و أحابيلهم، و من يأتي بعدهم، فلا يتأثّروا بمكايد أهل الكتاب. و لا غيرهم من أصحاب المذاهب و الآراء الكاسدة. فلا يغترّ مسلم- و عنده الرصيد الأفخم- ببضائع مزجاة يعرضها أهل الأهواء.
و على المسلم النابه أن يختار الأفضل و الأمثل طريقة في الحياة. من غير أن يذهب به الأهواء يمنة و يسرة كريشة في الهواء.
وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ حسب اختياره هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا أيّها المسلمون الْخَيْراتِ و التمسوا أفضلها و أقومها و أبقاها أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً في نهاية المطاف إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
و بذلك يصرف اللّه المسلمين عن الانشغال بأباطيل لا محصّل لها و تأويلات لا مستند لها.
يصرفهم إلى العمل الجادّ و الاستباق في فعل الخيرات، و ليكونوا منشأ بثّ البركات في الأرض.
و العاقبة للّه.
*** ثمّ يعود فيؤكّد الأمر بالاتّجاه نحو القبلة الجديدة المختارة: وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
ثمّ توكيد للمرّة الثالثة ممّا يشي بأنّه كانت هناك حالة واقعة وراءه في قلوب بعض المسلمين،