التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٢ - الأسامي التي تتجدد للصبر بالإضافة إلى ما عنه الصبر
و على مقتضى إطلاقين:
أحدهما: أن يطلق على التصديقات و الأعمال جميعا، فيكون للإيمان ركنان: أحدهما اليقين، و الآخر الصبر. و المراد باليقين: المعارف القطعيّة الحاصلة بهداية اللّه تعالى عبده إلى أصول الدين. و المراد بالصبر: العمل بمقتضى اليقين. إذ اليقين يعرّفه أنّ المعصية ضارّة و الطاعة نافعة، و لا يمكن ترك المعصية و المواظبة على الطاعة إلّا بالصبر، و هو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى و الكسل. فيكون الصبر نصف الإيمان بهذا الاعتبار. و لهذا جمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: بينهما فقال: «من أقلّ ما أوتيتم اليقين و عزيمة الصبر»[١].
الاعتبار الثاني: أن يطلق على الأحوال المثمرة للأعمال لا على المعارف، و عند ذلك ينقسم جميع ما يلاقيه العبد إلى ما ينفعه في الدنيا و الآخرة أو يضرّه فيهما، و له بالإضافة إلى ما يضرّه حال الصبر، و بالإضافة إلى ما ينفعه حال الشكر. فيكون الشكر أحد شطري الإيمان بهذا الاعتبار، كما أنّ اليقين أحد الشطرين بالاعتبار الأوّل. و بهذا النظر قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: «الإيمان نصفان، نصف صبر و نصف شكر». و قد يرفع أيضا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم[٢].
و لمّا كان الصبر صبرا عن باعث الهوى بثبات باعث الدين، و كان باعث الهوى قسمين، باعث من جهة الشهوة، و باعث من جهة الغضب؛ فالشهوة لطلب اللذيذ و الغضب للهرب من المؤلم، و كان الصوم صبرا عن مقتضى الشهوة فقط و هي شهوة البطن و الفرج دون مقتضى الغضب، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهذا الاعتبار: «الصوم نصف الصبر»[٣].
لأنّ كمال الصبر بالصبر عن دواعي الشهوة و دواعي الغضب جميعا، فيكون الصوم بهذا الاعتبار ربع الإيمان. فهكذا ينبغي أن تفهم تقديرات الشرع بحدود الأعمال و الأحوال و نسبتها إلى الإيمان؛ و الأصل فيه أن تعرف كثرة أبواب الإيمان، فإنّ اسم الإيمان يطلق على وجوه مختلفة.
الأسامي الّتي تتجدّد للصبر بالإضافة إلى ما عنه الصبر
اعلم أنّ الصبر ضربان؛ أحدهما: بدنيّ، كتحمّل المشاقّ بالبدن و الثبات عليها. و هو إمّا بالفعل
[١] مسكن الفؤاد: ٤٧؛ البحار ٧٩: ١٣٧/ ٢٢.
[٢] كنز العمّال ١: ٣٦/ ٦١؛ البحار ٧٤: ١٥١/ ٩٩.
[٣] ابن ماجة ١: ٥٥٥/ ١٧٤٥، بلفظ:« الصيام نصف الصبر».