التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٠ - حقيقة الصبر و معناه
و له في سلوكه إلى الكمال منازل و أطوار من نطفة و علقة و مضغة و غيرها إلى أن يخرج من مضيق الرحم إلى فضاء العالم. فنسبة عموم القيامة الكبرى إلى خصوص القيامة الصغرى كنسبة سعة فضاء العالم إلى سعة فضاء الرحم، و نسبة سعة العالم الّذي يقدم عليه العبد بالموت إلى سعة فضاء الدنيا كنسبة فضاء الدنيا أيضا إلى الرحم، بل أوسع و أعظم. فقس الآخرة بالأولى فما خلقكم و لا بعثكم إلّا كنفس واحدة. و ما النشأة الثانية إلّا على قياس النشأة الأولى بل أعداد النشآت ليست محصورة في اثنتين. و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ[١] فالمقرّ بالقيامتين مؤمن بعالم الغيب و الشهادة، و موقن بالملك و الملكوت. و المقرّ بالقيامة الصغرى دون الكبرى ناظر بالعين العوراء إلى أحد العالمين، و ذلك هو الجهل و الضلال، و الاقتداء بالأعور الدجّال.
فما أعظم غفلتك يا مسكين- و كلّنا ذلك المسكين- و بين يديك هذه الأهوال فإن كنت لا تؤمن بالقيامة الكبرى بالجهل و الضلال أ فلا تكفيك دلالة القيامة الصغرى؟ أو ما سمعت قول سيّد الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «كفى بالموت واعظا»[٢] أو ما سمعت بكربه عليه السّلام عند الموت حتّى قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اللّهمّ هوّن على محمّد سكرات الموت»[٣]. أو ما تستحي من استبطائك هجوم الموت اقتداء برعاع الغافلين، الّذين لا ينظرون إلّا صيحة واحدة تأخذهم و هم يخصّمون، فلا يستطيعون توصية و لا إلى أهلهم يرجعون؟ فيأتيهم المرض نذيرا من الموت فلا ينزجرون و يأتيهم الشيب رسولا منه فما يعتبرون، فيا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلّا كانوا به يستهزءون، أ فيظنّون أنّهم في الدنيا خالدون؟ أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ[٤] أم يحسبون أنّ الموتى سافروا من عندهم فهم معدومون كلّا: وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ[٥] و لكن: وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ[٦] و ذلك لأنّا: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
[١] الواقعة ٥٦: ٦٠.
[٢] أخرجه البيهقي في الشعب من حديث عائشة و الطبراني من حديث عقبة بن عامر من قول الفضيل بن عياض و البيهقي في الزهد الكبير( ص ٢١٦). انظر: مجمع الزوائد ١٠: ٣٠٨؛ و كشف الخفاء ٢: ١١٢/ ١٩٣٣.
[٣] أخرجه ابن ماجة( ١: ٥١٩/ ١٦٢٣) و النسائي( ٤: ٢٥٩/ ٧١٠١) و أبو يعلى( ٨: ٩/ ٤٥١٠) كلّهم بلفظ: اللّهمّ أعنّي على سكرات الموت.
[٤] يس ٣٦: ٣١.
[٥] يس ٣٦: ٣٢.
[٦] يس ٣٦: ٤٦.