التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٩ - حقيقة الصبر و معناه
فليس بحظّك. و الأرض الّتي أنت جالس عليها بالإضافة إلى بدنك ظرف و مكان تخاف من تزلزله أن يتزلزل بدنك بسببه، و إلّا فالهواء أبدا متزلزل و أنت لا تخشاه إذ ليس يتزلزل به بدنك، فحظّك من زلزلة الأرض كلّها زلزلة بدنك فقط، فهي أرضك و ترابك الخاصّ بك، و عظامك جبال أرضك، و رأسك سماء أرضك، و قلبك شمس أرضك، و سمعك و بصرك و سائر خواصّك نجوم سمائك، و مفيض العرق من بدنك بحر أرضك، و شعورك نبات أرضك، و أطرافك أشجار أرضك، و هكذا إلى جميع أجزائك، فإذا انهدم بالموت أركان فقد زلزلت الأرض زلزالها، فإذا انفصلت العظام من اللحوم فقد حملت الأرض و الجبال فدكّتا دكّة واحدة، فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفا، فإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كوّرت الشمس تكويرا، فإذا بطل سمعك و بصرك و سائر حواسّك فقد انكدرت النجوم انكدارا، فإذا انشقّ دماغك فقد انشقّت السماء انشقاقا، فإذا انفجرت من هول الموت عرق جبينك فقد فجّرت البحار تفجيرا، فإذا التفّت إحدى ساقيك بالأخرى و هما مطيّتاك فقد عطّلت العشار تعطيلا، فإذا فارقت الروح الجسد فقد حملت الأرض فمدّت حتّى ألقت ما فيها و تخلّت.
و لست أطوّل بجميع موازنة الأحوال و الأهوال، و لكنّي أقول: بمجرّد الموت تقوم عليك هذه القيامة الصغرى، و لا يفوتك من القيامة الكبرى شيء ممّا يخصّك، بل ما يخصّ غيرك؛ فإنّ بقاء الكواكب في حقّ غيرك ما ذا ينفعك، و قد انتشرت حواسّك الّتي بها تنتفع بالنظر إلى الكواكب، و الأعمى يستوي عنده اللّيل و النهار، و كسوف الشمس و انجلاؤها، لأنّها قد كسفت في حقّه دفعة واحدة، و هو حصّته منها، فالانجلاء بعد ذلك حصّة غيره، و من انشقّ رأسه فقد انشقّت سماؤه، إذ السماء عبارة عمّا يلي جهة الرأس، فمن لا رأس له لا سماء له، فمن أين ينفعه بقاء السماء لغيره؟
فهذه هي القيامة الصغرى. و الخوف بعد أسفل، و الهول بعد مؤخّر، و ذلك إذا جاءت الطامّة الكبرى و ارتفع الخصوص، و بطلت السماوات و الأرض، و نسفت الجبال و تمّت الأهوال.
و اعلم أنّ هذه الصغرى[١] و إن طوّلنا في وصفها فإنّا لم نذكر عشير أوصافها، و هي بالنسبة إلى القيامة الكبرى كالولادة الصغرى بالنسبة إلى الولادة الكبرى؛ فإنّ للإنسان ولادتين، إحداهما:
الخروج من الصلب و الترائب إلى مستودع الأرحام، فهو في الرحم في قرار مكين إلى قدر معلوم،
[١] أي القيامة الصغرى.