التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٦ - دواء الصبر
الأرض إذ قال تعالى: أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها[١].
الثاني: أن يكفّ نفسه في أعماله أفعالا تخالف ما اعتاده، فيبدّل التكلّف بالتبذّل، و زيّ الحشمة بزيّ التواضع، و كذلك كلّ هيئة و حال و فعل، في مسكن و ملبس و مطعم و قيام و قعود كان يعتاده وفاء بمقتضى جاهه، فينبغي أن يبدّلها بنقائضها حتّى يرسخ باعتياد ذلك ضدّ ما رسخ فيه من قبل باعتياد ضدّه، فلا معنى للمعالجة إلّا المضادّة.
الثالث: أن يراعي في ذلك التلطّف و التدريج، فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذّل، فإنّ الطبع نفور، و لا يمكن نقله عن أخلاقه إلّا بالتدريج، فيترك البعض و يسلّي نفسه بالبعض، ثمّ إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض من ذلك البعض، إلى أن يقنع بالبقيّة.
و هكذا يفعل شيئا فشيئا إلى أن يقمع تلك الصفات الّتي رسخت فيه.
[٢/ ٣٨٨٧] و إلى هذا التدريج الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق و لا تبغض إلى نفسك عبادة اللّه، فإنّ المنبتّ[٢] لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى»[٣].
[٢/ ٣٨٨٨] و إليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا تشادّوا هذا الدين فإنّ من يشادّه يغلبه»[٤].
و من راعى التدريج ترقى به الصبر إلى حال يشقّ عليه الصبر دونه، كما كان يشقّ عليه الصبر معه، فتنعكس أموره، فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا و ما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصبر عنه. و هذا لا يعرف إلّا بالتجربة و الذوق. و له نظير في العادات، فإنّ الصبيّ يحمل على التعلّم في الابتداء قهرا. فيشقّ عليه الصبر عن اللعب و الصبر مع العلم، حتّى إذا انفتحت بصيرته و أنس بالعلم انقلب الأمر، فصار يشقّ عليه الصبر عن العلم و الصبر على اللعب. و إلى هذا يشير ما حكي عن بعض العارفين أنّه سأل الشبليّ عن الصبر أيّه أشدّ؟ فقال: الصبر في اللّه تعالى؟ فقال: لا، فقال:
الصبر للّه؟ فقال: لا، فقال: الصبر مع اللّه؟ فقال: لا، فقال: فأيش؟ قال: الصبر عن اللّه، فصرخ الشبليّ صرخة كادت روحه تتلف.
[١] النساء ٤: ٩٧.
[٢] المنبتّ: من انقطع في سفره و عطبت راحلته. أي بقي عاجزا عن بلوغ مقصده و لم يقض حاجته.
[٣] البيهقي ٣: ١٨؛ مجمع الزوائد ١: ٦٢.
[٤] انظر: البيهقي ٣: ١٨ و الحاكم ١: ٣١٢. و المشادّة: المغالبة.