التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٨ - مظان الحاجة إلى الصبر
رأيت ابني يتعثّر لم أملك نفسي أن أخذته»[١] ففي ذلك عبرة لأولي الأبصار.
فالرجل كلّ الرجل من يصبر على العافية، و معنى الصبر عليها أن لا يركن إليها و يعلم أنّ كلّ ذلك مستودع عنده، و عسى أن يسترجع على القرب. و أن لا يرسل نفسه في الفرح بها و لا ينهمك في التنعّم و اللذّة و اللهو و اللعب، و أن يرعى حقوق اللّه في ماله بالإنفاق، و في بدنه ببذل المعونة للخلق، و في لسانه ببذل الصدق، و كذلك في سائر ما أنعم اللّه به عليه. و هذا الصبر متّصل بالشكر، فلا يتمّ إلّا بالقيام بحقّ الشكر.
و إنّما كان الصبر على السرّاء أشدّ لأنّه مقرون بالقدرة، و من العصمة أن لا تقدر. و الصبر على الحجامة و الفصد إذا تولّاه غيرك أيسر من الصبر على فصدك نفسك و حجامتك نفسك. و الجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة الطيّبة اللذيذة و قدر عليها، فلهذا عظمت فتنة السرّاء.
النوع الثاني: ما لا يوافق الهوى و الطبع، و ذلك لا يخلو إمّا أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات و المعاصي، أو لا يرتبط باختياره كالمصائب و النوائب. أو لا يرتبط باختياره و لكن له اختيار في إزالته كالتشفّي من المؤذي بالانتقام منه، فهذه ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: ما يرتبط باختياره و هو سائر أفعاله الّتي توصف بكونها طاعة أو معصية و هما ضربان:
الضرب الأوّل: الطاعة و العبد يحتاج إلى الصبر عليها، فالصبر على الطاعة شديد، لأنّ النفس بطبعها تنفر عن العبوديّة و تشتهي الربوبيّة، و لذلك قال بعض العارفين: ما من نفس إلّا و هي مضمرة ما أظهر فرعون من قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى[٢]، و لكن فرعون وجد له مجالا و قبولا فأظهره إذ استخفّ قومه فأطاعوه، و ما من أحد إلّا و هو يدّعي ذلك مع عبده و خادمه و أتباعه و كلّ من هو تحت قهره و طاعته، و إن كان ممتنعا من إظهاره، فإنّ استشاطته و غيظه عند تقصيرهم في خدمته و استبعاده[٣] ليس يصدر إلّا عن إضمار الكبر و منازعة الربوبيّة في رداء الكبرياء. فإذن العبوديّة
[١] الموجود في الخبر: الحسن و الحسين عليهما السّلام و في البعض: الحسين عليه السّلام انظر: مسند أحمد ٥: ٣٥٤؛ أبو داود ١: ٢٤٨/ ١١٠٩؛ الترمذي ٥: ٣٢٤/ ٣٨٦٣؛ النسائي ١: ٥٣٥/ ١٧٣١؛ ابن حبّان ١٣: ٤٠٣.
[٢] النازعات ٧٩: ٢٤.
[٣] أي مبالغته في استعظام نفسه.