التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٦ - سورة البقرة(٢) آية ١٧٧
هذه الصلة لذوي القربى فيها تحقيق لمروءة النفس و كرامة الأسرة، و وشائج القربى. و الأسرة هي النواة الأولى للجماعة، و من ثمّ هذه العناية و هذا التقديم.
و هي لليتامى، و هو تكافل بين الأقوياء و الضعفاء، و تعويض لهؤلاء الصغار عن فقدان الحماية و الرعاية الأبويّتين، و حماية للأمّة من تشرّد صغارها و تعرّضهم للفساد.
و هي للمساكين الّذين سكن بهم الفقر، و مع ذلك فهم ساكنون لا يقدمون للسؤال، ضنّا بماء وجوههم، فليحتفظ لهم بكرامة نفوسهم و الصون بهم عن البوار و الانهيار، و في ذلك إشعار لهم بالتضامن و التكافل في محيط الجماعة المسلمة، الّتي لا يهمل فيها فرد و لا يضيع فيها عضو.
و هي لابن السبيل- المنقطع عن المال و الأهل- فريضة واجبة للنجدة في ساعة العسرة و إشعار له بأنّ الإنسانيّة كلّها أهل.
و هي للسائلين إسعاف لعوزهم و كفّ لهم عن المسألة الّتي يكرهها الإسلام. و في الإسلام، لا يسأل من يجد الكفاية أو من يجد عملا، فهو مأمور من دينه أن يعمل و لا يسأل، و أن يقنع و لا يتذلّل، فلا سائل إلّا حيث يعييه العمل و الكفاية.
و هي في الرقاب: إعتاق و تحرير لمن أوقعه سوء تصرّفه في الرقّ، بحمل السيف في وجه الإسلام. و يتحقّق هذا النصّ إمّا بشراء الرقيق و عتقه، و إمّا بإعطائه ما يؤدّي به ما كاتب عليه سيّده في نظير عتقه، و ذلك ليسارع في فكّ رقبته و استرداد حرّيته و إنسانيّته الكريمة، و الإسلام يعلن حرّيّة الرقيق في اللحظة الّتي يطلب فيها الحرّيّة، إذا توفّرت فيه الشرائط.
*** و ناحية ثالثة أهمّ و هي ناحية العبادة في الإسلام، و شاخصها الصلاة الّتي هي عمود الدين، و المحور الّذي يدور عليه رحى الإسلام، من جانبيه الروحي- اتّصالا بالملكوت الأعلى[١]- و الظاهري- اتّزانا في السلوك و المعاشرة العامّة: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ[٢]. و لعلّ ذيل الآية إشارة إلى الجهة الأولى: الاتّصال الروحي.
و رابعة: إيتاء الزكاة، هي فريضة ماليّة متعيّنة في جانب مصرفها، و هي تؤمّن جانبا من مئونة واجب النظام المالي في الحكم الإسلامي. و وفاء بطرف من ضريبة الإسلام الاجتماعية، الّتي
[١] الصلاة معراج المؤمن.
[٢] العنكبوت ٢٩: ٤٥.