التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم عليه السلام
وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى[١].
و للمفسرين هنا شرح و تبيين لهذه المواقف، و بالأحرى تفصيل البيان عن هذه الكلمات نعرضها كما يلي:
للشيخ أبي جعفر ابن بابويه الصدوق- عليه الرحمة- هنا بيان لطيف جامع لتبيين هذه الكلمات استنادا إلى المستفاد من فحوى آي الذكر الحكيم، قال:
و الابتلاء على ضربين، أحدهما يستحيل على اللّه تعالى ذكره، و الآخر جائز. فأمّا ما يستحيل فهو أن يختبره ليعلم ما تكشف الأيّام عنه. و هذا ما لا يصحّ له، لأنّه- عزّ و جلّ- علّام الغيوب.
و الضرب الآخر من الابتلاء أن يبتليه حتّى يصبر فيما يبتليه به، فيكون ما يعطيه من العطاء على سبيل الاستحقاق، و لينظر إليه الناظر فيقتدي به، فيعلم من حكمة اللّه- عزّ و جلّ- أنّه لم يكل أسباب الإمامة إلّا إلى الكافي المستقلّ، الذي كشفت الأيّام عنه بخبره.
فأمّا الكلمات فمنها- مضافا إلى ما ورد في الحديث-: اليقين. و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-:
وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.[٢]
و منها المعرفة بقدم باريه و توحيده و تنزيهه عن التشبيه، حين نظر إلى الكواكب و القمر و الشمس، فاستدلّ بأفول كلّ واحد منها على حدوثه، و بحدوثه على محدثه.
و منها الشجاعة، و قد كشفت الأيّام عنها. بدلالة قوله تعالى: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ- قال لهم ذلك مسخّفا لعقليّتهم الهزيلة- و لمّا قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ قال لهم بجرأة و شهامة: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. و أخيرا هدّدهم بكلّ صرامة:
وَ تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. و بالفعل قام بما هدّدهم و لم يهبهم .. قال الصدوق:
و مقاومة إنسان واحد ألوفا حاشدة، لهي أدلّ دليل على شجاعة فائقة.
و الحلم، كما جاء في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ[٣].
و السخاء، ينبئك به حديث ضيف إبراهيم المكرمين.[٤]
[١] النجم ٥٣: ٣٧.
[٢] الأنعام ٦: ٧٥.
[٣] هود ١١: ٧٧.
[٤] الذاريات ٥١: ٢٤. و الحجر ١٥: ٥١.