التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٢ - سورة البقرة(٢) آية ١٨٣
قال ابن عاشور: و المراد من قَبْلِكُمْ من كان قبل المسلمين من أهل الشرائع، و هم أهل الكتاب أعني اليهود؛ لأنّهم الّذين يعرفهم المخاطبون و يعرفون ظاهر شئونهم و كانوا على اختلاط بهم في المدينة.
و كان لليهود صوم فرضه اللّه عليهم و هو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم، و هو الشهر المسمّى عندهم «تسري» يبتدأ الصوم من غروب اليوم التاسع إلى غروب اليوم العاشر، و هو يوم كفّارة الخطايا و يسمّونه «كبّور».
ثمّ إنّ أحبارهم شرّعوا صوم أربعة أيّام أخرى، و هي الأيّام الأوّل من الأشهر: الرابع و الخامس و السابع و العاشر من سنتهم، تذكارا لوقائع بيت المقدس. و صوم يوم «بوريم» تذكارا لنجاتهم من غضب ملك الفرس «خشايارشاه» في قصّة «استيرا». و عندهم صوم التطوّع.
[٢/ ٤٦٣٩] و في الحديث: «أحبّ الصيام إلى اللّه: صيام داود، كان يصوم يوما و يفطر يوما»[١].
أمّا النصارى فليس في شريعتهم نصّ على تشريع صوم زائد على ما في التوراة، فكانوا يتّبعون صوم اليهود.
[٢/ ٤٦٤٠] و في صحيح مسلم عن ابن عبّاس: قالوا: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ يوم عاشوراء تعظّمه اليهود و النصارى[٢].
ثمّ إنّ رهبانهم شرّعوا صوم أربعين يوما اقتداء بالمسيح، إذ صام أربعين يوما قبل بعثته.
و يشرع عندهم نذر الصوم عند التوبة و غيرها. إلّا أنّهم يتوسّعون في صفة الصوم، فهو عندهم: ترك الأقوات القويّة و المشروبات، أو هو تناول طعام واحد في اليوم، يجوز أن تلحقه أكلة خفيفة[٣].
*** قال الشيخ محمّد عبده: الصوم، إعداد للنفس و تهيئة لها لتقوى اللّه بالمراقبة له و تربية الإرادة على كبح جماح الشهوات ليقوى صاحبها على ترك المضارّ و المحرّمات. و قد كتب على أهل الملل السابقة، فكان ركنا من كلّ دين، لأنّه من أقوى العبادات و أعظم ذرائع التهذيب. و في إعلام اللّه لنا بأنّه فرضه علينا كما فرضه على الّذين من قبلنا، إشعار بوحدة الدين في أصوله و مقصده، و تأكيد
[١] مسلم ٣: ١٦٦.
[٢] المصدر: ١٥١.
[٣] التحرير و التنوير لابن عاشور ٢: ١٥٦.