محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٥ - الخطبة الأولى
تمام الحديث:" أليس يقول الله عز وجل ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين، يعني المقتصدين" عن الصادق (ع)، وفي الاستشهاد بالآية بيانٌ أنه لم يوفق لأنه ألقى بيده إلى التهلكة، وأنه لم يحسن لأنه تجاوز حد الاقتصاد.
الحديث الأول إما أن يكون للمبالغة .. وأنك في مورد الصدقة بالغ في الإنفاق بما لا تبالغ به في الموارد الأخرى، حتى كأنك أسرفت، وإما لأن حد الإسراف في الصدقة يختلف عن الإسراف في الموارد الأخرى! أنا لمّا أعطي ديناراً زائداً على حاجة البطن أكون قد أسرفت، أما حين يكون في مقدوري أن ادفع ألف دينار .. أو ألفي دينار .. أو ثلاثة آلاف دينار .. بحيث لا يبقى عندي إلا ما يقوّم حياتي وحياة عائلتي ولا يرجعني إلي حد الفقر، إذا كان هذا في الصدقة فليس هو من السرف. فتجاوز الحد المتعارف في مثل حاجة البطن، وحاجة الظهر وما ماثلهما يعد إسرافاً، أما تجاوز الحد المتعارف اجتماعياً في الصدقة فانه لا يعد إسرافاً.
يمكن أن نجمع بين الحديثين بهذا الجمع .. فان اختلاف المورد يخالف بين حد الإسراف، الإسراف هناك غير الإسراف هنا، على انه لا تنافي بين هذا الحديث الذي يقول" جهدك .. حتى تقول أنك أسرفت ولم تسرف" وبين ما ينفي الإحسان وينفي التوفيق حين يكون البذل في الصدقة لكل ما في اليد. الإسراف لا يعني أن يبذل كل ما في اليد، فإذا كان يُقبل في الصدقة التجاوز في الإنفاق .. إنما هو إلى الحد الذي يصل للإسراف وليس إلى الحد الذي يصل إلى التصفية النهائية للمال وخلوّ اليد.
" لا تبذل لإخوانك من نفسك ما ضره عليك اكثر من منفعته لهم"، ضابطة في البذل في مجال المال وغير مجال المال، وهذا البذل غير صحيح لا في ميزان الدين ولا في ميزان العقل، جلبُ مضرة أكبر للذات، لمنفعة أقل للغير غير مقبول لا عرفاً ولا عقلًا ولا ديناً.