محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٨ - الخطبة الأولى
احمل معك هذا التصور، وقد أقمت الاعتقاد به على دليل قاطع فيما يُفرض، وهذا التصور ينبت مشاعر، وتقوم عليه أحاسيس، وترتسم في ظله نفس، مما يعطيه هذا التصور الشعور بالوقت، وبقيمته العالية وهو شعور لا يسمح بهدر لحظة ولا تضييع ثانية، في ظلّ هذا التصور ترتفع قيمة الوقت بما لا ترتفع به في ظل أي تصور آخر، ويكفي لأن تأخذ الثانية الواحدة من العمر قيمة عالية في نفسك أن تتذكر بأن ثانية من الطاعة قد تُكسبك خلود السعادة، وأن ثانية من المعصية قد تنقلب بصاحبها إلى النار.
مع الشعور بالوقت أو هو منه، الشعورُ بمسؤولية العمل، والشعور بنوع العمل من خير أو شر، فحينما نعرف أن الوقت ثمين، وأن غلاء الوقت من خطورة النتيجة التي يُعقِّبها العمل وقيمتها، فلابد أن يقوم في النفس شعور بمسؤولية العمل. تعني قيمة الوقت تماما قيمة العمل، فإذا كانت اللحظة الواحدة ستؤول بي إلى جنّة، أو ستنقلب بي إلى النار فلابد أن أشعر بالمسؤولية اتجاه الثانية وما سأعبء به هذه الثانية من العمل.
وهنا تقف النفس عند العمل لتتبيّن ما هو منه خير، وما هو منه شر، الثانية من عمل الخير جنّة، والثانية من عمل الشر نار، فإذا لابد أن أعرف نوع العمل الذي أعبء به الثانية، وأنا أختار منقَلباً إلى الجنة أو منقلبا إلى النار.
من الشعور الذي يقوم على التصور الإيماني بالآخرة وحسابها وثوابها وعقابها، ويومِ الزلزال هو حسّ المستقبل. المؤمن لا يمكن أن يكون البهيمة التي لا يُشغل نفسها إلا شعور لحظتها وحاضرها، قد تمتدّ نظرة إنسان امتداداً مستقبلياً، ويدخل المستقبل في حساباته ولكن ليس كالمؤمن أحد يدخل المستقبل في حسابه، ويشعر بمسؤولية المستقبل وثقلها.
هذا الإحساس بالمستقبل عند الإنسان المؤمن يكون في صورة قلق وخوف من هول المستقبل، وفي صورة أمل مخضلٍّ وسامق في عطائه وخيره الذي وعد به الله، وهو حسٌ