محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٤ - الخطبة الأولى
أي ملكوت؟ الملك الأعظم الذي نظر إليه إبراهيم عليه السلام فزاد اطمأناناً، وكان على اليقين.
الشياطين يحومون ولكنهم لا يجبرون، الشياطين يزينون ... يغرون ... يصغرون ... يكبرون ... يقبحون حسنا، ويحسنون قبيحا، ويلوحون لك بالدنيا ويكبرونها في نظري ونظرك إلا أنهم لا يملكون مصيرك بالكامل، وليست إرادتك مقهورة مقسورة لشياطين الإنس والجن، فأنت تملك من خلال ما أعطاك الله عز وجل من إرادة أن تواجه الشياطين، وأن يكون لك رفضك القاطع لدعوة الشياطين. إن لك مواهب من الله من عقل وحكمة وخبرة وتجربة وتقدير للمصلحة وآيات يعج بها الكون العريض، وكلها تعطيك رصيدا لأن تواجه به دعوات الشياطين. لولا أن الشياطين تحوم على قلوبنا ولولا استجابة منا للشياطين لنظرنا إلى الملكوت، فكان في ذلك استقرار واطمئنان وغنى وشعور كريم بقيمة الذات.
عن أمير المؤمنين عليه السلام:" إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك" وهذا مطلب يكون جهاد العبد في دنياه كلّها من أجله فإن حصل له فذلك أمر عظيم.
" إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك" بحيث يكون فكري، شعوري، اهتمامي، تطلعي، خوفي رجائي، ثقتي فيك لا في أحد غيرك.
لا أستعظم سواك، ولا أرى كبيرا إلا أنت، وليس في قلبي أحد سواك، هذا مطلب أمير المؤمنين عليه السلام،" إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك" أين الولد؟ أين الزوج؟ أين المال؟ لا شيء يملك من همّ ذلك القلب الطاهر الموصول بالله شيئا إلا ما كان متصلا بذلك الحبل المتين. ما يملك من القلب شيئا هو ما كان من ذلك الشوق، هو كان من ذلك الخوف، هو ما كان من ذلك الهم، ما وقع على طريق الله.