محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٨ - الخطبة الأولى
وفرة بالغة، وما تغنى به من العطاء يتطلب بحثاً متأنّيا، وتأمُّلات فكرية وقلبية يقظة طويلة وكثيرة.
وعلينا أن نعيد الاستذكار ونحن في نهايات الحديث عن الدعاء بأنه وقفة يشارك فيها العقل والروح والنفس والقلب للعبد الفقير الذليل اللئيم أمام الرب الغني العزيز الكريم، يتجاوز بها ذاته وكل الآخرين بخوفه وقلقه، بحزنه وهمّه، بفقره وحاجته، بضعفه ووهنه، بتردده وتلكؤه، بكل عيوبه ونواقصه، بآماله وطموحاته، بأشواقه وتطلُّعاته، بذُّلّه وتخضُّعه، بملقه واستكانته لا يحط بنظره عند أي قمة من القمم الشامخة من المحدود، فضلا عن سَفلٍ من ضال ومنحرف ومستكبر، ولا يركن إلا إلى المطلق الذي تشرئب إليه أنظار العالين، وتتجه إليه همم العارفين، وتسترفد عطاءه زمر الملائكة والأولياء والنبيين والمرسلين. يعرض نفسه على ربه العليم الكريم فراراً إليه، ولجأ إلى رحمته، وطمعا في كرمه، واطمئنانا لجميل وعده، واستزادة من عطائه، عالما بأنه لا يفصح بذلك عن مكنون لا يعلمه الله، وإنما هو الاعتراف لمن لا يستر منه ساتر، ولا تواري منه ظلمة، ولا في علمه غيب، وإظهار للضراعة للمغفرة، وستر العيب وغفران الذنب، وكشف الكرب، وسد الخَلّة، ورفع العوز، وقضاء الحاجة، وبلوغ الغاية، وطلب الحماية، والتوفُّر على الكفاية.
قل إن الدعاء حالة تحرر كامل من كل عبودية، وكل خضوع إلا من العبودية لله الملك الحق المبين، والتي تحكم وجود المرء وحياته، في ابتدائه واستمراره، وكل ذرة من كيانه ومكانه، وكل لحظة من لحظات زمانه، وآن من آناته، وهذه عبودية لا تحرر منها على الإطلاق، وما التحرر منها إلا وهم كاذب، وأمل خائب. ولم تتنكر نفس ضالة لعبوديتها لله بارئ النسم، إلا تعددت أوثانها، ولم تكد تتناهى الآلهة الزائفة في شعورها، وإنه ليكثر بها التطواف بين أعداد الآلهة الموهومة المتزايدة فلا تجد ما يغنيها عن الله، وما يروي ضمأها