محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٩ - الخطبة الأولى
الآخرة
السياق يأتي ما عن الصادق عليه السلام" من رضي من الله باليسير من المعاش رضي الله منه باليسير من العمل"، وكذلك ما عن أمير المؤمنين عليه السلام" أشكر الناس أقنعهم"، فليس أشكر الناس من رزق كثيراً وأنفق كثيراً .. أشكر الناس من شح رزقه وقابل ذلك بالقناعة والرضا بما رزق الله." أشكر الناس أقنعهم، وأكفرهم للنعم أجشعهم!" لأن الجشِع كلما رزق خيراً كلما قل الخير الكثير في نظره؛ فيأتي من ذلك الكفر بالله وعدم الشكر له.
وهناك أثران؛ أثر للقناعة، وهو أثر اجتماعي ونفسي وسياسي وتربوي، وأثر آخر مثله للجشع .. فإنه لو استغنى كل واحد بما يكفيه لوجد كل واحد في الدنيا ما يكفيه!! لم توجد الدنيا ضيقة عن إطعام أبنائها، وإن الأرض قد أودِعت كل ما يكفي للأجيال والإنسان أُعطي من قوة العقل وقدرة الإبداع والقدرة على الاكتشاف ما يحقق لنا واقعاً غنياً في الحياة، ويكفي كل الناس؛ لكن ذلك إنما يتم في ظل التربية الإسلامية الناجحة. وأي تربية مادية جشعة يمكن أن تحطم هذه المعادلة وتنسفها ليتحول الإنسان- الفقير منه والغني- إلى فقير دائماً، فقير بواقعه الخارجي، أو فقير بواقعه النفسي!
نعم إنه لو استغنى كل واحد بما يكفيه لوجد كل واحد في الدنيا ما يكفيه، فصار الكل أغنياء نفساً ويداً، وانتهىُ سببُ كبير للصراعات الجاهلية المدمرة، سواء كانت باسم الدنيا أو الدين، وسلم الناس على دينهم وأنفسهم، وأعراضهم وأمنهم، وعاشوا أخوة متحابين لا أعداء متقاتلين. وإذا كان الواحد لا يكفيه ما في يده، فإنه كما تفيد الأحاديث لن تكفيه الدنيا كلها! ومجتمع لا يكفي الواحد منه أن تكون الدنيا كلها بيده .. هو مجتمع فقير حتماً.
الجشع فقر: