محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٦ - الخطبة الأولى
مع ذلك لم تكن السماوات والأرض والجبال بالقدر الطبيعي المؤهّل الذي يجعلها تتحمل الأمانة؛ تلك الأمانة التي كان من قدر الإنسان، ومن قامته الطبيعية، ومؤهلاته واستعداداته أن يتحملها.
الأمانة مقاسة إلى السماوات والأرض والجبال بعظمتهن المادية تكبرها، وهذه الأمانة لم تكبر الإنسان الذي أهله الله سبحانه وتعالى لها. إن في الإنسان الاستعداد الكافي لتحمّل الأمانة الإلهية الكبرى في الأرض، وإذا كان من خلل في تحمّل هذه المسؤولية فهو ليس من قصور في وزن الإنسان إنما من سوء تصرّف إرادي عنده.
٢. أمانة الإنسان على نفسه بأن يأخذ بها إلى غايتها وطريق كمالها، ومن أمانته التي حمّلها أن يضع الأشياء التي مكن منها في هذا الكون على طريق غاياتها، وقد سُخِّرت تلك الأشياء من أجل الإنسان نفسه وتكميله. هذه الأمانة خص بها الإنسان دون السماوات والأرض التي تؤدي دورها مسخّرة لا مختارة.
أمانة الإنسان أن يتحمل تحديد مصيره، ورسم مستقبله، أما السماوات والأرض فهي مسخرة، وموضوعة في مسارات وقوالب تكوينية لا تستطيع أن تحيد عنها، وأُعطي هذا الإنسان أن يلتزم الطريق إلى الله، وأن يحيد عنه.
وفارق الإنسان عن السماوات والأرض هو عقله وإرادته، وهو سر عظمة الإنسان، كما أن هذه الإرادة هي سر شقائه. فإن أحسن إعمال إرادته سعد، وإن أساء استعمال إرادته شقي وانتهي إلى الجحيم.
ولفارق العقل والإرادة كانت عظمة السماوات والأرض غير محتملة لهذه الأمانة، وكان الإنسان قادراً على حملها، فقد خلق متناسباً مع مسؤولية التغيير والتطوير لنفسه، ولما يقع تحت تصرفه من الكون على خط الله.