محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٧ - الخطبة الأولى
٣. وهذا الإنسان المزود بما يناسب هذه الأمانة، المؤهل لأدائها فيه قابلية الظلم لنفسه بالانحدار عن الطريق، وأن يستبدل عن الحكمة السفه بأن يجور عن الجادة، وهو من ناحية فعلية في كثير من أفراده شديد الظلم، كثير الجهل لا يتصرف عن حكمة، ولا يصدر عن روية، وإن رُزق عقلًا، وَحمل علماً كما يحمل الحمار أسفاراً ومن ذلك ترى تخلّف الأكثر عن الوفاء بهذه الأمانة إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
٤. وإن ائتمان الله عز وجل الإنسانَ على صنع مصيره وتحديد نوع مستقبله عن قدرة وحكمة وهي أمانة تكليفية تشريفية فيها رفع لقدر هذا المخلوق، وإعلاء لشأنه إذا استقام. وليست هذه الأمانة التجاء من ضعف ومن حاجة في المؤتَمن.
الأمانة أمانتان: أمانة يجد صاحبها حاجة للاستعانة بالغير في حفظ ماله، وما يعتزّ به، فيلجأ إلى الغير كي يأتمنه على ما يحرص على حفظه مما يعجز هو عن صيانته، هذه أمانة منطلقها الحاجة، ومنطلقها إلجاء الضعف له إلى أن يأتمن على ما يعتزّ به يدا ثانية، مع علمه بأن ليس أحفظ لماله من يده لو كان مستطيعا حفظه. الأمانة الأخرى هي أمانة تكليفية تشريفية؛ فمع قدرتك وكمال عقلك، وتمام حسن تصرفك تعطي ولدا من أولادك مختارا لك أمانة تريد أن تظهر شأنه بين إخوانه، وتعلّمهم أن يلحقوا بمستواه في العقل والحكمة والأدب، وتريد أن تحدث تنافسا بينه وبينهم في الخير، هنا تأتمنه لا من حاجة فيك له، وإنما بقصد أن تشرفه وتكرمه، وهكذا يأتي إلقاء المسؤوليات أحياناً على عواتق البعض لا عن عجز من المؤتِمن وإنما لإظهار الشأن والموقع.
وائتمان الله عز وجل الإنسان على أن يشارك في تحديد مصيره ورسم مستقبله ليس له منطلق إلا هذا المنطلق أعني منطلق التشريف والتكريم وإظهار شأن الإنسان وهي نعمةٌ، على الإنسان أن يشكرها.