محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣ - الخطبة الأولى
إنه دين قيّم لا يقبل السقوط؛ تسقط كل الطروحات وهو قائم لا يفعل فيه الزمن ولا يهِنُ له بناء أن يتقدم فكر الإنسان وتجربته. أصوله تمتد في أغوار الضمير وأعماق الكون وهي مما تقوم به السماوات والأرض. وفروعه لا تعدل عن الحق، ولا تميل عن الصواب، ولا تخطئ المصلحة، وأخلاقه تتبعثر الحياة وتعم الفوضى حين يهمل جانبها. لغته لغة النظام الكوني العام صدقٌ وعدل وانسجام وتوحيد ونداء حقٍّ جلي، وخلق كريم، وتعاون في الخير، ورفض للفوضى والعشوائية والانفلاب.
قيّم هذا الدين كلُّه في قدرته التامة على تحمل أعباء القيادة للمسيرة البشريَّة بما لا يطيق غيره من نظم وطروحات. عطاءاته تتقدم المسيرة البشرية، ولا تتخلف عنها، ولا يمكن أن تبطّئ حركة الحياة الكريمة أو تشلَّها، أو يكون من بينها ما ينحرفُ به المسار عن الحق، ويعدلُ بالنَّاس عن المصلحة والسعادة. الحياة دائماً على خط هذه العطاءات متقدمة لا متعثرة، مستقيمة لا منحرفة، غنية لا فقيرة، على هدى لا ضلال، يغمرها النور لا الظلمة. وليست هناك فراغات في عقيدة أو تشريع أو تربية وخلق في الإسلام يمكن أن تملأ بالبديل فبناؤه تام، وعمارته كاملة، ويتحمل دوره بأعلى كفاءة، وأدقّ أداء.
يتحرك الإسلام بحياة الإنسان على مسارها الصحيح في ضوء علم حضوري كامل لما هو المنطلق الحق، والهدف السديد، والمنهج الصائب، والموضوع كما هو خارجاً وحقيقة، والذي يتمثل في الإنسان، وفي ضوء علم حضوري بكلِّ مالَه من هذا الكون العريض الذي لا يحيط به الإنسان خُبراً، من تأثير على هذا الكائن في حياة روحه وبدنه، وتقدُّمه وتأخره، وما ينبغي أن يكون منظوراً في توجهه وتشريعه.
٣) إقامة الوجه للدين ضرورة فردية واجتماعية للإنسان ولذلك جاء الأمر الإلهي الحكيم بها جليّاً صريحاً لا يحتمل التأويل" فأقم وجهك للدين القيّم .."، مدعوماً مع مولويته- مع مولوية هذا الأمر- ببيان الوجه في ضرورته، متوعَّداً على إهماله ومخالفته بيوم يعسر فيه