محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٧ - الخطبة الأولى
و اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أما بعد أيها الملأ الكريم، والإخوة والأخوات المؤمنون الأعزاء ..
فالحديث في صياغة الإسلام للنفس الإنسانية، صياغة تتجه بها إلى القناعة والرضا بالعيش الذي قد يضؤل في نظر الكثيرين ممن يتملكهم هوى المادة وشغف المال، بحيث لا يستريح لهم شعور، وإن كان لأحدهم ملءُ الدنيا ذهباً وفضة لا ينازعه في ذلك منازع. وإن لهذا التوجيه الإسلامي انعكاساته في حياة الفرد والمجتمع، وللتوجيه التربوي المضاد الذي يدفع للجشع مثل ذلك على تباعد شاسع، وتباين هائل، في طبيعة هذه الانعكاسات والآثار، بين ما لهذا التوجيه وذاك. ولنضع الحديث في أبعادٍ محددة، تمشياً مع عدد من النصوص.
الإسلام مع القناعة:
" مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً" النحل ٩٧.
سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى" فلنحيينه حياة طيبة" فقال:" هي القناعة". فمن عاش حياته قانعاً كانت حياته طيبة، لأن نفسه هنا غنية وإن قل ما في يده، وليس أطيب من حياة يشعر المرء دائماً فيها بالغنى. وكثيراً ما تحطمت نفوس، وانهدمت بُنىً روحية، وانهدّت عقول، أمام طمع المادة، وجشع الدنيا، وكثيراً ما كان انتحارٌ سريع أو بطيء على مذبح الطمع.
وفي نص آخر (و هو لأمير المؤمنين عليه السلام):" و لكن الله جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعَفَةً فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى". مظهر خصاصة وحاجة يعيشها عدد من الأنبياء، ولكن مع هذا المظهر من الخصاصة والحاجة عظمة نفس .. قلب لا يعرف الشعور بالفقر إلا