محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣٨ - الخطبة الأولى
لا تعترف بالواقع، ولا تعطي حسابا للواقع هي مثالية تنتهي إلى هدم نفسها، ولا يبقى لها رموز في الأرض، والإسلام ليس كذلك، الإسلام على مثاليته أعرف المبادئ بالواقع، ومن أكثر المبادئ حساباً لمعادلات الواقع، ولكنه لا يذوب فيها وإنما يحاول دائماً أن يرتفع بها إلى مستوى القيم.
نقرأ الآية الكريمة هنا لنجد أنّ القيم الإسلامية ليس من نوع القيم التي تتسبب في القضاء على نفسها: وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ٥٨ الأنفال.
الآية في سياق آيات أخرى تتحدث عن مثل هذا الموضوع، وتقيد مجموعة الآية الكريمة أنه إذا كان قوم كثرت منهم الخيانة، وكان دأبهم ذلك كان على الإسلام أن ينازلهم المنازلة الشديدة، فإذا كُتب للمسلمين النصر عليهم، كان على المسلمين أن يعطوا منهم درساً يكفُّ المعتدين الآخرين والخائنين الآخرين عن أي يعملوا في الأرض بالخيانة ونقض العهود. أما القوم الذين لا تظهر منهم أمارات الخيانة فالمسلمون دائما على وفاء للعهد معهم، ولا ينقض المسلم عهداً أعطاه لأحد، وعهود المسلم دائما عهود لا تميل عن خط الله.
وهذه شريحة ثالثة، ونموذج في الأرض ثالث: قوم عوهدوا، وظهرت منهم أمارات الخيانة للعهد، ما موقف القيادة الإسلامية منهم؟ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ القِ عليهم عهدهم، ارم به إليهم، وأعلن لهم أن استعدوا، ولا تباغتهم وإن بدت منهم أمارات الخيانة المباغتة التي تسجّل موقفا خيانياً، ففي الوقت الذي لا مباغتة خيانية وإن بدت أمارات الخيانة من الطرف الآخر لا استنامه، ولا استسلام، ولا إغفال للواقع بل يُرمى بالعهد الذي بين المسلمين وبينهم في إعلان صارخ بأن الأمر هو المواجهة.