محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٩ - الخطبة الأولى
إلى حفر القبور، بعد فسيح الدور، و رفيع القصور، وليس أحد يملك أن يرد أجله، وينسئ في عمره، ويمد في مهلته، أو يختار في الراحلين قافلته، فمسكين من باغتته المنية على المعصية،- والمعصية أخي قد تكون معصية قلب- ووافاه الأجل على القبيحة، وانتزع في لحظة من بذخ الدنيا وعزها الزائل مسكورا، إلى زمر أهل النار الذين والاهم في دنياه، وأقام على طريقتهم في حياته.
أما بعد يا أخوة الإيمان والهداية فالحديث لا زال عن الدعاء وقد تقدم ذكر بعض من آدابه وهذا بعض:-
١. التطلع الكبير:-
" فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ويُنفى عنك وباله" ١.
لا يكن أقصى همّك أمر الدنيا، فعليك بالآخرة فهي أسمى وأبقى، وإنّه لطموح قصير أن يتجمَّد دعاء المرء عند هموم دنياه، وأصحاب الطموح الكبير لابد أن تتجاوز مسألتهم دنياهم، وإن كانوا لا يستكبرون على الله في سؤال الصغير ولا يستغنون.
" بكى أبو ذر رحمة الله عليه من خشية الله عزوجل حتى اشتكى بصره، فقيل له: يا أبا ذر لو دعوت الله أن يشفي بصرك، فقال: إني عنه لمشغول وما هو من أكبر همي، قالوا: وما يشغلك عنه؟ قال: العظيمتان: الجنة والنار" ٢.
سلامة البصر نعمة، وعروض الضرر عليه أذى ومتعبة، ولكن كما قالوا الجرح يسكنه الذي هو آلم، والروح الشفافة التي ترى الآخرة وهولها، وتعاين نعيمها، ينسيها ضرر الآخرة ضرر الأولى، وخير الباقية خير الفانية، وإن لم نكن قد أمرنا بإهمال الدنيا مطلقاً لأن بعض هذا الإهمال يضر بالآخرة، وإن كان لا تحريم لما طاب من رزق الله فيها قُلْ مَنْ حَرَّمَ