محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٦ - الخطبة الأولى
ومن مشهد الإنسان يوم الزلزال ما ترسمه هذه الآيات الكريمة:
" قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، أَبْصارُها خاشِعَةٌ" نعم لابد من ذلك بعد اليقين بأن لا حول ولا طول، وبعد اليقين بأن السجل التاريخي المخزي سينشر، وأن الحساب آت، والوعيد قد صدق." فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ، وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ" هل هناك علائق أقرب وأشد وأمتن وأكثر تماسكا من هذه العلائق؟ وهل هناك إخلاص يدّخر في الأرض لأهل الأرض أكثر من إخلاص لأم وأب وأخ وصاحبة وبنين؟ لكن ذلك اليوم يقول عنه تبارك وتعالى:" يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ، وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ"،" يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ" فراش مذهول، مرعوب، يتطاير وكأنه لا يعرف له وجهة للذعر والرعب والهول، مبثوث وليس جماعة، كل فرد مشغول بنفسه، ولا تمثل البلايين هناك صفا واحدا ولا أمة واحدة ولا جبهة متحدة. تقف في قبال الله. وهل تملك أن تتوحد؟ وهل يُجديها شيئاً توحدها؟ أيخالطها شعور المواجهة لله وهي ترى أن ليس لها من ملك ولا حول ولا طول، وأنه لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا به؟!
" وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ" تصور أن القبور تلقي بمن فيها في حالة بعثرة، والمبعثر شيء لا مبالاة به. ألا يحمل لفظ بعثرة ظل اللامبالاة؟ وظل القذف والرمي للشيء الرخيص؟" أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ، وَ حُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ"،" وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً"،" فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً"،" فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ، فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ"،" يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ". إذاً فارق درب الكفر فكرا،