محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٥ - الخطبة الأولى
احتضانها لنا من برَّ ومن كفر. ما لها تخرج كل كنوزها، كل أثقالها ياللهول، يا للرعب أين أسباب الحياة؟! أين الزاد الذي تختزنه الأرض للأجيال، أين الملجأ الذي كنا نجده فيها على ظهر منها أو في بطن؟! ثم أهو مشهد واحد مرعب؟! لا، وإنما هي مشاهد تحتشد دفعة واحدة حتى لا يبقى لب ولا قلب إلا وتزلزل إلا من رحم الله.
" يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ" بعد الأرض، بعد كهوفها، بعد قصورها، بعد أكواخها، بعد ظهرها، بعد بطنها، أين المفر؟ لو كان يمكن أن يصار إلى سماء، أسماء؟! لو كان يمكن أن يصار إلى بحر أبحر؟! أمن قوة؟! أمن حول؟ أمن جبل عاصم؟ أمن قلعة تحمي؟" قُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ" وهو على يقين بأنه لا مفر إلا إلى الله.
ولكن ما شأن من لم يبقِ له صلة بالله؟ وأعطى كل حياته لأعداء الله، ولمنهج غير منهج الله، وناصب الله العداء كل حياته؟!" كَلَّا لا وَزَرَ،- لا شيء يحمي- إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ، يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ".
وفي آيات الزلزلة:" وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها" كم عند الأرض من أخبار؟ أخبار ملايين السنين، والقرون العديدة، أخبار تخزي الإنسان، أخبار تذل الإنسان، أن تحدث الأرض أخبارها عن الناس؟ عن فحشائنا، عن قبائحنا، عن سوآتنا؟ أنا المكرم عند فئة من الناس أتكشف بكل سوآتي؟! تصوروا أيها الأخوة أن أحد الأشراف في هذا المسجد الكريم ممن لا يحتل عند الشرفاء إلا المنزلة الرفيعة والمقام المحمود وإذا به يتعرى في اللحظة شخصية ساقطة. أيحتاج إلى شيء آخر يسبّب له الوفاة إذا كان يحمل درجة من الشرف؟ المرء مع نفسه إذا كانت به بقيا إنسانية، إذا رجع إلى سجل حياته، ووقف على سوءة من سوءات حياته أخزي وذل في نفسه وسقط، فكيف أن يقف على خبره أهل المحشر؟!" يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ"،" يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها".