محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٩ - الخطبة الأولى
يصنع حركة الحياة على مسار الخير والفضيلة.
ومع هذا الحس حس آخر؛ هو ما نستطيع أن نطلق عليه بالحس الغيري، حيث تكون منفعة الغير من عمل الخير الذي يجتني الفاعل ثمرته. الإسلام جعل الدنيا طريق الآخرة، ولا يكلّفك الإسلام أن تفعل لغير صالح ذاتك، لا يطلب منك الإسلام المستحيل بأن تنسلخ عن حب ذاتك، إنه يريد لك أن تنسجم دائما مع حب ذاتك، وكيف يريد الله عزّ وجل منك أن تنسلخ عن حب ذاتك وقد زرع في فطرتك هذا الحب؟! وهذا الحب هو سرُّ خيرك، وسر بقائك، وكل ما يريده الإسلام منك هو أن تعرف كيف تحب ذاتك، أتحب ذاتك بأن تأخذ بها على طريق النار؟!
وطاعة الشيطان؟! أو أن حب الذات لا يكون حقيقياً وصادقاً إلا بأن يضع المرء خطاه على طريق الله؟! وحيث تؤثر غيرك على نفسك بدنيا، ويعطيك الله عزّ وجل أضعافا مضاعفة فيها أو في ما هو خير منها من الآخرة فأنتَ وأنتَ تؤثر على نفسك؛ إنما تطلب خيرها. أنك قد تبذل القليل لعباد الله ولكن قد ضمن الله، عز وجل لك بأن يعوّضك الكثير.
هذا الحس الغيري أتم ما يتم وأركز ما يتركز حيث يكون الإيمان بالآخرة ووعد بالثواب والعقاب وإيمان بذلك، لأننا نرى من الواقع أن الدنيا قد يضيع فيها إحسان المحسن، وقد يأخذ المسيؤن موقع المحسنين، وكثيراً ما يتنكر الناس الجميل، وكثيرا ما تبقى شخصيات عملاقة لا يعرفها أحد لتنال منه أي تكريم.
هذا الحس الغيري الذي يبني المجتمعات، ويعمر الدنيا، ويُبقي على الأمم، ويتقدم بها أنبت ما ينبت في ظل الإيمان؛ الإيمان بالآخرة، الإيمان بيوم الزلزال، بيوم الحساب، بيوم الثواب والعقاب، وإنه ليغني الذات، ويرتفع بمستواها قيمة في نفسها.