محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢٠ - الخطبة الأولى
تقول الكلمة عنهم عليهم السلام (و يكفي أن تكون عن أحدهم لتكون عنهم كما نفهم):" من كان بيسير الدنيا لا يقنع لم يغنه من كثيرها ما يجمع". إذا كانت خمسة الدنانير التي تكفيك ليومك لا تكفيك .. وتبقى متضجراً من الله سبحانه وتعالى .. ساخطاً عليه في رزقه؛ فإن مثل هذه النفسية التي تجعلك ساخطاً أمام ما يكفيك يومك، أو ما يكفيك شهرك، أو ما يكفيك سنتك، لو تيسر لها كل ما في الدنيا ولم ينازعها فيها منازع فإنها ستبقى جشعة .. ستبقى ساخطة .. ستبقى قلقة .. ستبقى حزينة، غير راضية، ولا مطمئنة.
" إن كان ما يكفيك يغنيك .. فأدنى ما فيها يغنيك، وإن كان ما يكفيك لا يغنيك .. فكل ما فيها لا يغنيك". إذا انفتح باب الشره .. باب الجشع .. باب الطمع .. فإن الدنيا كلها لو صارت بيد طامع لم تسد باب طمعه.
و مجتمعٌ كل أفراده فقراء لا بد أن يسوده النهب والغصب والاقتتال والافتراء والتسقيط والصراع والانحراف. و كيف يكون مجتمع كل أفراده فقراء؟ حين يكون أبناء هذا المجتمع كلهم جشعين، أو حين يكون القادرون منهم على جشع .. هذا المجتمع يكون كل أبنائه فقراء. وليكن أن ما بيد كل إنسان من أبناء هذا المجتمع يكفيه لقرون .. لكن إذا كانت النفسية عند هؤلاء هي نفسية جشعة فإن أبناء هذا المجتمع كلهم غارقون في الفقر!! المجتمع الأمريكي- أو أي مجتمع مادي- لكن لو لم يكن فيه فقير واحد من ناحية الواقع الخارجي، وكان أبناؤه يعيشون نفسية الجشع والطمع ولا يقدسون إلا المادة، ولا يلوذون إلا بها، ولا يعرفون قيمتهم إلا من خلالها؛ فإن هذا المجتمع لا بد أن يكون مجتمع اقتتال .. مجتمع نهب .. غصب .. مجتمع صراعات!!
من أين القناعة؟ من أين تأتي؟ من أين تنبع؟
تقول الكلمة عنهم عليهم السلام:" من عقِل قنع!" وهذا يحتاج إلى شرح .. فأنا كم أحتاج