محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٢ - الخطبة الأولى
القلب، مساحتهما ليست المساحة الحسية إنما مساحتهما مساحة الغيب، والآخرةُ من الغيب، فمن تمتّع ببصر القلب أطل به بصره على الغيب وأوصله إليه، ورأى منه ما رأى، ومن ذلك الغيب أمر الآخرة وهو عظيم.
يقول الحديث" فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح له العينين اللتين في قلبه وأبصر بهما الغيب وأمر آخرته". هاتان العينيان لم توجدا مغلقتين كما يظهر ١، هما كنعمة وجدتا مفتوحتين لكن العبد بسوء ما يفعل قد يغلقهما، والله بما يوفّق وبما يرحم قد يزيد في بصرهما، فيفتح الله على عبد استجاب لنداء ربّه من بصيرة قلبه أكثر ما يفتح من بصيرة عبد مدبر عن الله، ومن اقترب من الله شبرا اقترب الله منه باعاً.
حين يفتح الله لعبد بصر قلبه يجد رؤية جديدة فوق ما اعتاد، فحين تتوجه عناية خاصة من الله عز وجل لعبد مطيع من عباده فيزيد في بصر قلبه يرى ما يراه الآخرون غيبا شهادة، فتلتحم نفسه بما رآه شهادة من الغيب، ويعظم ذلك الغيب في نفسه بحيث لا يبقى للشهادة ما يشدّه كما يشده ما رآه مما هو غيب في نظر الآخرين، وإذا أراد به غير ذلك ترك القلب بما فيه.
الله عز وجل لا يفعل بأحد شرا ما لم يفعل العبد بنفسه الشر، هناك قوانين إلهية بمقتضاها يستتبع شري الذي كسبته يدي شرا أكبر على نفسي. كلما ارتكبت شرا كلما سددت على نفسي طريق الخير، وكلما دمرت المشروع الإنساني الطاهر والكفوء في داخلي، واصطنعت حجبا بيني وبين الحقيقة ترك الله عز وجل قلب أنا العبد بما فيه. وفيه فطرة هادية ولكن فيه مكتسبات تطفئ النور، وتسد منابع الفيض، ومنابع الهدى فتركه بما فيه نوع من الخذلان. وإنّ عبداً يتركه الله عز وجل بما هو عليه لا يقطع طريق النجاح، دائما نحن نحتاج إلى الفيض، ودائما نحتاج إلى العناية.