محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣٧ - الخطبة الأولى
مستوى الجماعة المؤمنة، والأمة المؤمنة.
وتعجز الدنيا عن صناعة هذا الإنسان، وعن أن تنتج النفس التي يخونها غيرها فلا تُقدم على خيانته، ويُذاع السر لها، وهي تحتفظ بسجل كبير من أسرار هذا المعتدي فلا تبيح لنفسها أن تكشف سرّه. أتدرون كم تحتاج النفس هنا من حالة الانضباط، ومن التحكّم في القرار؟ إن كاشف السرّ يريد أن ينسف حاضرك ومستقبلك، ربما كان السر الذي في يده فيه حياتك، وربما كان فيه شرفك وموقعك، فحين يقدم على كشف هذا السر إنما يقدم على تصفيتك الجسدية أو المعنوية، وأنت تملك أن تحدث له تصفية أسرع، ولكن لك من الدين ما يحكم تصرّفك، فلا تسيء مثله. ومن اتقى حماه الله وكفاه، وكان حارسه.
أي اطروحة في الأرض، وأي تربية ينتجها علم النفس وعلم الاجتماع تستطيع أن تعطي نفسا من هذا الطراز؟! القوة كل القوة أن تكون مع عقلك ودينك ورؤاك الأصيلة في أشد المواقف خطورة، وفي أقصى الحالات التي تثير الانفعال، ونفسٌ تملك نفسها، وتملك قرارها العاقل، وقرارها الحكيم أمام كل عواصف التحديات لا يمكن أن تصنعها غير الصناعة الإيمانية، وإلا فمن ذا الذي لا يخون من ائتمنه وهو يخونه، ولا يذيع سر من أذاع سرّه الذي فيه عنقه؟!
نعم، تعجز الدنيا كل الدنيا، ويعجز العلم البعيد عن الإيمان، وتعجز التربية الأرضية والتربية السماوية المحرّفة على يد الإنسان الآثم أن تخرّج مثل هذه النفس، ويأتي الحديث هنا ليُعلن هذه الحقيقة" من لا إيمان له، لا أمانة له". لا أمانة له بلا هذا التحدي، لا أمانة له بهذا الامتحان الصارخ، والمؤمن على أمانة دائماً وإن عظمت التحديات.
مثالية لا تهدم نفسها:
ولا تذهب بك المذاهب إلى أنّ الإسلام يعيش مثالية تهدم نفسها، صحيح أن المثالية التي