محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٣ - الخطبة الأولى
والخطى والسوكات من أجل أن تأتي كما يرضى الله لا كما يسخطه.
وعن علي (ع (" اجعل من نفسك على نفسك رقيبا، واجعل لآخرتك من دنياك نصيبا".
هذه الرقابة من النفس على النفس هي رقابة التوجيه والضبط والرد إلى الخط.
وعنه (ع (" ينبغي أن يكون الرجل مهيمنا على نفسه، مراقبا قلبه حافظا لسانه". وأشد مراقبة هي مراقبة القلب. في القلب رضى وسخط، في القلب حقد أو خلافه، في القلب مشاعر مختلطة، في القلب دقائق من الشعور، في القلب نيات، في القلب توجهات، في القلب طموحات، في القلب شك، في القلب يقين، والقلب أوعى وعاء عند المرء، أشرف وعاء فإن تلوّث فلا قيمة لصاحبه، وإنّ شفّ ورفّ كان صاحبه من الملائكة، وقد يزيد شأنا.
علي أن أراقب يدي وما فعلت، ورجلي وما سعت، وعيني وما امتدت إليه، ووراء هذه المراقبة مراقبة أكبر هي مراقبة القلب يسهل علي أن أراقب نفسي أني صلّيت أو لم أصلِّ، أني صمت أو لم أصم، أن كلمة ساقطة جرت على لساني أو لم تجرِ، ولكن الأمر الدقيق جداً أن أعرف من قلبي أن صلاتي التي أديتها كانت صلاة في القلب أو لم تكن صلاة، كانت لله أو كانت لغيره. هذا الغضب الذي يثور في نفسي هو غضب لله أم للذات؟ هذا السيف الذي أقاتل به أقاتل به في سبيل الله أو في سبيل قومي؟ من الصعب جداً، ومن أصعب الصعب أن تنضبط حركة القلب على خط الله، وأن تكون حركة الجوارح دائما وظاهرها الطاعة نابعة من حركة للقلب في اتجاه الله، ولو جمعنا عبادات العمر الظاهرية وقسناها إلى عبادات القلب الباطنية لوجدنا الثانية ضئيلة جدا جداً، وأن أكثر ما حصل في حياتنا من عبادة إنما هي عبادة ظاهرية.
وأنت لا ترقى، ولا تنبني، ولا تقرب من الله بعبادة الظاهر إنما يحصل لك ذلك كله عبر عبادة الباطن.