محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١٢ - الخطبة الأولى
الإجابة لا يزيده إلا أملا في كرم ربه، وحسنَ ظن بحكمته ورحمته وجميل صنعه ولطفه به، وتصديقاً بكرمه وسعةِ قدرته. ولذلك تراه يديم الدعاء، ويواصل الطلب لا يمسُّه يأس ولا قنوط، ولا تدخله ريبة ولا سوء ظن في ربه الكريم الأكرم العليّ الأعلى الحميد المجيد الذي ليس مثلُه حميداً مجيداً.
والعبد المديم الدعاء، الملحُّ في المسألة يغريه بذلك إلى جنب أمله في كرم الله وتصديقه بقدرته وحكمته ورحمته أنه يشعر بالراحة في لقاء الضراعة مع ربّه العلي الكبير، الرؤوف الرحيم، وتثرى ذاتُه، ويعزّ جانبه كلما ناجى الله، وتعلق بكرمه واستغنى به عن خلقه.
وهذا كله خير للعبد المواصل في دعائه، المنقطعِ في مسألته، الملحِ في طلبه على الله، لذا فاللهُ الغني الكريم يحبه له.
وربما أبطأ بإجابته عليه بعض الوقت ليزداد من هذا الخير، ويكون من جائزته مع قضاء طلبته، ففي الحديث" إن العبد ليدعو فيقول الله عز وجل للملكين: قد استجبت له ولكن احبسوه بحاجته، فإنّي أُحبّ أن أسمع صوته ...." ١٠.
ومحبة الله عز وجل له أن يسمع صوته لأنّ في ذلك خيره وتربيته وسمو ذاته وتزكية روحه.
فمن البطء بالإجابة ما ليس للمنع وإنما لزيادة النفع، ومضاعفة الأجر.
أما المستعجل بدعائه، المستبطئ الإجابة، المنقطع عن الطلب، المتوقفُ عن المسألة لا عن إيكال الأمر إلى الله، والاستغناء بعلمه بالحال عن لغة السؤال، وإنما للقنوط من الرحمة، واليأس من اللطف، وسوءِ الظن في القدرة والحكمة، فقد اختار أن يحرم نفسه الرحمة، ويُوصد باب الفرج، ويفارق الخير، ويخسر الأجر، وما في الدعاء من بركات.